بقلم اكرم عطااللة

عن عملية الخليل وانتخابات الكنيست!

نشرت في 25 أكتوبر 2026 10:50 ص

بقلم اكرم عطااللة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/437016



 

سواء تم تنفيذ عملية في الضفة الغربية أو لم يتم فلن يتغير شيء في خارطة المعسكرات الانتخابية في إسرائيل التي لم يبقَ لديها كثير من الوقت لتغيير مزاج الرأي العام، فالانقسام والكراهية أصبحا أكبر من أي حدث.
فإذا كانت عملية السابع من أكتوبر كأكبر ضربة في تاريخ إسرائيل منذ إقامتها لم تحدث هذا القدر من التغيير فلن يكون غيرها قادراً على ذلك.
فقد انقسمت إسرائيل على الحكومة التي تشكلت في الثامن والعشرين من كانون الأول عام 2022 بعدها بشهر فقط حين كانت تنهار في استطلاعات الرأي العام عندما طرحت مشروع التغيير القضائي، وانقسم مجتمع إسرائيل آنذاك وفقد الائتلاف أغلبيته، فالحكومة التي تشكلت بدعم 64 مقعداً في الكنيست فقدت أحد عشر مقعداً واستقرت حول 53، وها هي اليوم تتراوح حول الخمسين بشيء قريب من ذلك.
فقد انقسمت إسرائيل خوفاً على هوية تشكلت منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي على أسس علمانية أوروبية وقانونية تم إحداث ثورة بها منتصف تسعينيات القرن الماضي. وهذه الهوية كانت بالنسبة للإسرائيليين أهم ما دفعهم للشوارع لإسقاط هذه الحكومة وسحب بساط أغلبيتها وهي لم تكن قد بدأت بعد.
ولكن لهذا الانقسام أيضاً أبعاداً أخرى، فخلال السنوات الماضية كانت إسرائيل وانتخاباتها تدور بين كتلتين واحدة يمينية قومية دينية ترى في نتنياهو ملك إسرائيل وتسعى بكل ما تملك لإبقائه زعيماً، وكتلة أخرى غير متجانسة ليس لديها برنامج سوى إسقاط بنيامين نتنياهو في ظل غياب النقاش العام حول الفلسطينيين.
فاليمين أصبح مهيمناً يسيطر على الحكومة والمعارضة ومتقارباً تجاه رؤيته للصراع، خصوصاً بعد أن انتهت عملية التسوية منذ سنوات بعد آخر محاولة كانت على يد وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري عام 2015.
وفي هكذا انقسامات ذات طابع شخصي وهوياتي يصعب تصور تغيرات في بنية الفرقاء.
لذا لم تضف العملية في الخليل شيئاً لتلك التوازنات.
وإذا كان هناك من يأمل في أن تحدث فروقات يكون غير مدرك لطبيعة التشظي الحاصل وأسبابه الأكثر عمقاً من الملف الأمني نفسه بما فيه ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن العملية التي حدثت في هذا الظرف بالذات لم تستفد من تجربة حدث غزة الكبير ولا من أحداث مخيم جنين التي انقسم فيها الرأي العام الفلسطيني على التفاصيل دون إدراك أن هناك مُناخات تولدت بعد عملية حماس وضعت الفلسطينيين أمام تهديد وجودي لم يقوموا بعده بمراجعة ما حدث وتقييم اللحظة وأدوات السياسة محتفظين بنفس النسخة وإن تضاعفت كلفتها بفعل مستجدات فادحة.
الآن ما هو المشروع في ظل عاصفة اقتلاعية تمكنت من تجريف غزة وتجاهر بالتهجير وتمكنت من تجريف نصف مخيم جنين وقامت بتهجير 21 ألف مواطن  وانتهت فيه الحالات المسلحة والمقاومة.
كل هذا تم بمبرر تهديد مسلح مستغلاً ما جرى في السابع من أكتوبر، هل يمكن للفكر السياسي الفلسطيني الذي يفترض أنه يعلو على العمل السياسي والذي يجب أن يعلو على العمل العسكري أن ينصح في هذه اللحظة بالقيام بفعل مسلح؟.
فإذا كان مشروع إسرائيل اقتلاعياً، ينبغي أن يكون المشروع النقيض تثبيت الوجود والبقاء لا توفير الفرصة لإسرائيل للتنكيل والهدم والطرد.
ودوماً ما كانت إسرائيل تحتاج مبررات لتبرير سلوكها وإقناع الإسرائيليين والأوروبيين والأميركيين حتى بأي خطوة. فالسياسة هي ابنة مُناخات، ودونها لا يمكن حتى لأقوى الدول أن تفعل شيئاً ضد أضعف الدول تلك من أبجديات السياسة.
الأصدقاء من الضفة الغربية وكتابها الذي كانوا مأخوذين بالسابع من أكتوبر وحتى بعد أن بدأ تجريف غزة لم يتمكنوا من إدراك حجم الخسارة على المستوى الوطني وحتى الفردي، وبأن هناك مستوى من الكفاح يشبه شعرة معاوية من الذكاء تعرف كيف تتقدم ومتى تتقدم ومتى تتراجع.
فالكفاح ضد الاحتلال يحتاج للعقول أكثر من أي فعل آخر ببساطة.
هنا دور الذكاء حين يصبح ضرورة لتقليص الفارق في موازين القوة بل للتغلب عليها، فالخطر أن يدير العقل الذي يقلد الأشياء أو يحفظها دون إبداع سياسات المقاومة، وهذا ما يحدث حيث يزيد من مأزق الفلسطينيين الذين يعيشون ظروفاً غير عادية تضعهم على حافة التهجير وقد استغلت إسرائيل الظرف مهددة الاستقرار الوجودي في الخليل بمشاريع في الأدراج تجاه المجتمع المستقر أو تجاه السلطة التي يعدها نتنياهو بمفاجأة كبيرة، إلا إذا كان البعض يضع وجود السلطة كنقيض له، وهذه مسألة تناقش في سياق مختلف، وللفلسطينيين تاريخ طويل من الانقسام والتنافس الذي فقد بوصلته طويلاً فذهب أبعد مما يجب.
مؤسف القول إن التغيير الوحيد الذي يتم بفعل العمل المسلح غير المحسوب يمس بوضع الفلسطينيين واستقرارهم، ليس لأن الكفاح ضد إسرائيل جريمة، بل لأن من يدير هذا الفعل أقل كثيراً من أن يدرك اللحظة التاريخية والتطورات الهائلة التي نشأت والمستجدات الكبيرة التي ينبغي قراءتها وإدراكها. فحين كانت الفصائل تشعر بالخطر كانت تسارع لتقديم مبادرات الهدنة لسنوات.
فإذا كان من ضرورة للتوقف لسنوات لترميم الحالة الفلسطينية وتثبيت الوجود المهدد فهو الآن، فلماذا الاندفاع باتجاه فعل كانت معروفة نتائجه أنه لن يغير في إسرائيل بل يغير سلباً لدى الفلسطينيين؟ الإجابة برسم النتائج التي تهدد الوجود الفلسطيني.