الكاتب: عاطف أبو سيف

غزة المنسية: هل كنا حقاً بحاجة لذلك؟

نشرت في 05 أبريل 2026 11:55 ص

الكاتب: عاطف أبو سيف

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/428726


 

غابت غزة عن نشرات الأخبار ولم يعد الخبر من غزة يثير أي اهتمام. لم تنتهِ المقتلة ولم ينهزم الأعداء ولم يتوقف الحصار ولا عادت الحياة ولا توفر الطعام. 
على الشاشة العريضة لقناة الجزيرة، يتم توزيع الشاشة إلى أكثر من عشرة مقاطع، في كل مقطع ثمة مراسل من مدينة داخل دولة في الإقليم، وغزة التي احتلت وحدها الشاشة لأكثر من سنتين والتي كانوا يفردون لها كل المساحة الممكنة غابت بشكل كامل. أما السيدة التي تواري جثمان طفلها أو الزوجة التي تبحث في الركام عن بقايا طعام لتطعم أطفالها أو الطفل الذي قيل له، إنك بطل فلا يجب أن تبكي رحيل كل عائلتك، فظل وحيداً لا يجد من يضمد جراحه. غابت غزة بل غيبوها بقصد وتعمد عن الواجهة. 
حتى التظاهرات التي كانت تجوب الشوارع والمدن وتغطي الساحات وتملأ الميادين باتت من ذكرى الزمن الذي قام فيه البعض بتوفير كل السبل من أجل أن تغرس السهام في جسد غزة المنهك. والخطابات والمنابر التي كانت تمتلئ بكروش المتحدثين وتلمع من فوقها عمامات المبشرين بالجنة وواهبو قطع وقصور في الفردوس وتتطاير على حوافها ياقات الساسة وأعضاء المكاتب السياسية والأمناء العامين وأنصارهم وأولاد أعمامهم؛ كل هذه ذهبت أيضا، فلا أحد يريد أن يسمع عن غزة أو من غزة أو حول غزة. كل شيء انتهى. غرق كل شيء ولم يبقَ شيء حتى يتم الحديث عنه. لم يجرؤوا على دفع اللحظة إلى نهايتها، لكنهم رموا بغزة في الهاوية ومضوا كأن شيئاً لم يكن. لم يحاسبهم أحد. لم يسألهم أحد: ماذا فعلتم؟ ولماذا فعلتموه؟ ومن منحكم الحق في أن تنصبوا أنفسكم علينا، ولا كيف افترضتم أن الناس دمى يمكن لكم أن تحركوها بعد أن حولتم مصيرهم إلى مسرح دمى عبثي. من منحكم كل هذه السلطة حتى تتطاولوا على كل هذا المستقبل الذي حطمتموه والأحلام التي دستموها وأنتم تتخيلون انتصارات كاذبة لم تحدث إلا في خيالكم، وفي هلوسات أدمغة تجمدت في ثلاجات التاريخ. 
غزة المنسية، المنكوبة التي حذفها الجميع خارج عقارب الساعة تجلس في خيمتها وحيدة، ترجو ألا تطير الخيمة أو تحرقها حرارة صيف قائض وان تجد سلة طعام، فيما كل من رمى بها إلى التهلكة من ساسة وقادة وشبيحة وإعلاميين ومثقفين وكتّاب وخطباء ونشطاء ولصوص ينعمون بحياة أخرى، ومن استغلوا الكارثة وبادروا وجمعوا الأموال واللايكات وشهرة الانستغرام يصنعون مؤسسات تحمل أسماءهم ويجوبون العالم يعتلون ظهر الضحايا الذين أيضاً ما زالوا تحت الخيام يلتهمون صمتهم لأنه الشيء الوحيد المتبقي لهم. 
ما الذي جرى حتى يتم وضع غزة على رف النسيان هكذا؟
جرى كل شيء عكس ما كان يقول الساسة، وعكس كل التحليلات الكاذبة المدفوعة بالدولار والمكافأة التي كان ينعق بها المحللون من الفضائيات أو على مواقع التواصل. والنتيجة أن غزة منسية كأنها لم تقع ضحية عبث كل هؤلاء. 
النتيجة، لم يتم تحرير الأقصى ولا تمت زحزحة السلك الذي يفصل القطاع عن  أراضي العام 1948 مليمتراً واحداً، لم تصبح حدود غزة بدلاً من بيت حانون وبيت لاهيا والشجاعية، هيربيا ودمرة ودير سنيد، ولم يتم تحرير الأسرى وإفراغ السجون من أبطال الحرية، كما لم يتم دحر الاحتلال وهزيمته ولا وقف اعتداءات المستوطنين والجيش على المسجد الأقصى. لم يتم شيء إطلاقاً. تم كل ذلك في نشرات أخبار الفضائيات المضللة فقط وعلى ألسنة المحللين العسكريين الذين لم يطلق أحدهم رصاصة واحدة في حياته في معركة حقيقية مع العدو، وجنرالات كان يدفعون الناس إلى الهاوية حتى يكسبوا وقتاً أطول خلف الشاشة فتمتلئ جيوبهم بالمزيد من الأخضر المقدس (الدولار). لم يحدث كل هذا إلا في تصريحات قادة مدمنين على ترف الفنادق والفيلات. نعم، حدث كل هذا في بياناتهم من خلف مكاتبهم الفارهة، بيانات إن لم تكن تصدقها كنت تحاط بالشكوك والاتهامات والتواطؤ والتهليل للعدو. حدثت كل هذه الانتصارات في جعجعة العقول المفرغة إلا من الأوهام، وأمام كاميرات لا تلتقط إلا ما يناسب كذب وتضليل صانع الأخبار وملقي الخطابات.
ما حدث ربما على العكس تماماً: تضاعف تعداد الأسرى إذ لم يكونوا قد تجاوزوا الخمسة آلاف صاروا أكثر من عشرة، والمسجد الأقصى الذي خاض أبناء القدس معركة شرسة لمنع وضع البوابات الإلكترونية على مداخله دون أن تكلف هذه المعركة شعبنا مائة ألف شهيد بات مغلقاً باستمرار، كما أن تدنيس المستوطنين والجنود لباحاته زاد وتضاعف ولم يعد حتى ثمة تقسيم زماني ومكاني بل تمت تقريباً سرقة المكان الأقدس، كما أن السلك الذي كان على حدود العام 1948 صار على حدود 2023، حدود الطوفان الذي أغرق الناس، وصار بدلا من الخط الأخضر عندنا خط أصفر والدور قادم على بقية الألوان، حتى أن مطالب قادة الطوفان لا ترتقي للقول بعودة جيش الاحتلال إلى ما قبل السابع من أكتوبر أي قبل الهزيمة التي منينا بها، بل في احسن أحوالها واكثرها جرأة صارت أن يلتزم العدو بالخط الأصفر وبمقترحات ترامب وقرارات مجلس السلام. الخط الأصفر أطال الله وجوده حتى لا يتحول للخط الأزرق. وبدل مجلس الأمن صار عندنا مجلس سلام وبدل الشرعية الدولية التي استهزؤوا بها ردحاً من الزمن صارت مطالبنا شرعية مجلس ترامب وملادينوف. 
وبين أعذار وأكاذيب، مطلوب منا أن نصدق أن ما جرى كان سيجري على كل حال، وأننا لم نحضر الدب لكرمنا بل إن الدب كان سيلتهم الكرم على كل حال، وبين ادعاء النصر وحقيقة الهزيمة المرة التي مني بها أصحاب الطوفان فأغرقوا غزة وأهلها معهم، علينا أن نكون حذرين حتى لا يقولوا عنا انهزاميين، لأن مقاتلي الكيبورد وشبيحة مواقع التواصل الاجتماعي سيفتكون بسمعتك ولن يكتفوا بالتشكيك بك أو بوصفك بالتخاذل، المقاتلون السريون من خلف الشاشات الزرقاء للهزيمة، وبين «حط راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس» ومواجهة الحقيقة والتعبير عن رأيك فإن الصمت يصير سلاح من لا سلاح له، لكن الأهم ألا تقع تحت تأثير ضميرك وتسأل: هل حقاً كنا بحاجة لكل ذلك؟
هل كنا حقاً بحاجة لذلك؟
حتى السؤال يغيب عن النقاش وحتى النقاش ذاته ليس موجوداً، الكل مشغول بتبعات الكارثة. والكل نسي غزة.