بقلم د مجدي جميل شقوره

غزة بين الاعمار والدولة

نشرت في 20 مارس 2026 10:53 ص

بقلم  د مجدي جميل شقوره

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/428060

مع الاعلان عن تشكيل مجلس السلام واللجنة الوطنية لادارة قطاع غزة تدخل القضية الفلسطينية منعطفا سياسيا بالغ الحساسية يتجاوز مسالة الاعمار الى اعادة طرح سؤال الكيان والهوية. فهذه الخطوة التي تقدم كاطار انتقالي لادارة القطاع لمدة عامين تثير تساؤلات عميقة حول ما اذا كانت تمهيدا لاعادة بناء غزة ام لاعادة تعريفها ككيان سياسي منفصل. 
ظاهريا تبدو هذه الهياكل استجابة ضرورية لواقع كارثي خلفته الحرب حيث يحتاج القطاع الى ادارة فعالة تعيد تشغيل المؤسسات وتؤمن تدفق المساعدات وتطلق عملية الاعمار. لكن قراءة اعمق تكشف ان المسالة لا تتعلق فقط بالادارة بل باعادة تشكيل الواقع السياسي على الارض. ففترة انتقالية مدعومة دوليا ومحصنة بتمويل واشراف خارجي قد تتحول تدريجيا الى بنية دائمة تراكم مقومات كيان مستقل حتى لو لم يعلن ذلك صراحة. 
تكمن الخطورة في ان هذه الترتيبات قد تخلق مع مرور الوقت واقعا يصعب التراجع عنه. فالادارة المستقلة وبناء المؤسسات وفتح قنوات اتصال دولية كلها عناصر قد تعزز انفصال غزة عن الضفة الغربية ليس بقرار سياسي مباشر بل بفعل التراكم التدريجي. وهنا يتحول الانفصال الجغرافي القائم الى انفصال سياسي مكتمل وهو سيناريو يتقاطع مع الرؤية الاسرائيلية التي عبر عنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والقائمة على تقليص الطموح الوطني الفلسطيني الى كيان محدود الصلاحيات. 
غير ان العامل الاكثر حساسية في هذا المشهد ليس القرار السياسي بحد ذاته بل ما يمكن تسميته بالانهاك الوجودي. فبعد حرب مدمرة قد يجد الفلسطيني في غزة نفسه امام خيار قاس الاستمرار في واقع عدم الاستقرار او القبول بكيان سياسي يوفر الحد الادنى من الحياة الكريمة. في هذا السياق لا يكون القبول بدولة غزة تعبيرا عن اقتناع بل استجابة لضغط الواقع حاجة الى الامان والعمل وحرية الحركة. 
هذا التحول ان حدث سيكون اخطر من اي اتفاق سياسي معلن لانه يعيد تعريف الاولويات من مشروع وطني شامل الى مطالب معيشية داخل حدود ضيقة. وهنا يكمن جوهر الاشكالية حيث يتم استبدال فكرة الدولة ذات السيادة بفكرة الاستقرار مقابل التنازل وهو نموذج عرفته تجارب دولية مختلفة وغالبا ما ادى الى كيانات هشة تعتمد على الخارج اكثر مما تعتمد على ذاتها. 
التجارب التاريخية تقدم مؤشرات مقلقة. فالادارة الدولية في ادارة كوسوفو الدولية نجحت في ادارة مرحلة انتقالية لكنها لم تحسم مسالة السيادة بشكل كامل. وهذا يوضح ان الادارة وحدها لا تصنع دولة وان الاستقرار المؤقت لا يعوض غياب الحل السياسي. 
اذا استمر المسار الحالي فان ما قد يتشكل بعد العامين الانتقاليين هو كيان هجين يمتلك مؤسسات وربما تمثيلا خارجيا محدودا لكنه يفتقر الى جوهر السيادة. ستكون هناك حكومة لكن دون سيطرة كاملة على الحدود وقد يكون هناك اقتصاد لكنه مرتبط بشروط المانحين وسيكون هناك امن لكنه خاضع لتفاهمات تفرضها اسرائيل بشكل مباشر او غير مباشر. 
في هذه الحالة لا نتحدث عن دولة بالمعنى الكامل بل عن اقليم وظيفي يؤدي ادوارا محددة ضمن منظومة اقليمية اوسع. كيان قادر على ادارة شؤونه اليومية لكنه غير قادر على اتخاذ قراراته المصيرية بشكل مستقل. وهذا هو التحدي الحقيقي الفرق بين بناء مؤسسات وبناء سيادة. 
في المحصلة قد ينجح مجلس السلام واللجنة الوطنية في اعادة اعمار غزة وتخفيف معاناة سكانها وهو هدف لا يمكن التقليل من اهميته. لكن النجاح الاداري لا يساوي بالضرورة نجاحا سياسيا. فبدون ربط هذه الترتيبات بمشروع وطني شامل يضمن وحدة الاراضي الفلسطينية وحق تقرير المصير قد تتحول المرحلة الانتقالية الى مسار دائم وتتحول غزة من جزء من قضية الى كيان قائم بذاته. 
عندها لن تكون المشكلة في ولادة دولة بل في طبيعة هذه الدولة هل هي تعبير عن ارادة وطنية حرة ام نتيجة توازنات مفروضة. بين هذين الخيارين يتحدد مستقبل غزة اما بوابة لاعادة بناء المشروع الوطني او نقطة بداية لاعادة تعريفه على اسس مجتزأة