نشرت في 01 يوليو 2026 01:50 م
https://khbrpress.ps/post/432089
كتب: وليد العوض
في الصراعات الكبرى، لا تبدأ المعارك بتغيير الخرائط، بل بتغيير اللغة. فقبل أن يُعاد رسم الجغرافيا، تُعاد صياغة المفاهيم، وتُستبدل المصطلحات التي يرتب عليها القانون الدولي مسؤوليات واضحة بمسميات أكثر نعومة وأقل إثارة للمساءلة. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الترويج الإسرائيلي لمصطلح “العبور الحر” باعتباره مجرد تعبير سياسي عابر، بل باعتباره جزءاً من معركة سياسية وقانونية تهدف إلى إعادة توصيف ما يجري في قطاع غزة، واستبدال مفهوم التهجير القسري بمفردات توحي بأن ما يحدث هو خيار فردي، لا نتيجة حرب إبادة وتجويع وتدمير ممنهج يدفع السكان إلى مغادرة وطنهم قسراً.
فالاحتلال لا يسعى فقط إلى تهجير أصحاب الأرض، بل إلى إيجاد غطاء سياسي وقانوني يتيح التصرف بالأرض بعد إفراغها من أصحابها، وتحويل نتائج العدوان إلى وقائع دائمة يصعب التراجع عنها.
ولا تقف هذه المعركة عند حدود المصطلحات، بل تتقاطع مع مؤشرات سياسية وقانونية أخرى لا تقل خطورة. فتغييب اسم غزة عن الوثيقة التأسيسية لما يسمى “مجلس السلام”، بالتزامن مع التصريحات الإسرائيلية التي تنفي عملياً أي مستقبل سياسي للقطاع، يثير مخاوف جدية من وجود توجه يستهدف تهميش الهوية القانونية والسياسية لغزة، وتهيئة الأرضية لترتيبات تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد لا تكون هذه المؤشرات دليلاً على خطة واحدة مكتملة، لكنها تتقاطع عند نتيجة واحدة محتملة، وهي إضعاف المكانة القانونية والسياسية لغزة وتهيئة البيئة المناسبة لفرض وقائع جديدة على الأرض.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في حذف اسم غزة من وثيقة، وإنما في ما قد يترتب على ذلك من نتائج. فعندما يُهمَّش الاسم، وتُضعف المرجعية القانونية، ويُطرح التهجير باعتباره “عبوراً حراً”، يصبح من الأسهل الانتقال إلى مرحلة التعامل مع القطاع باعتباره مساحة قابلة لإعادة الهندسة السياسية والجغرافية، لا باعتباره جزءاً أصيلاً من الأرض الفلسطينية المحتلة التي تتمتع بهوية وطنية وقانونية ثابتة.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف جدية من أن تتجه ترتيبات “اليوم التالي”، عبر ما يسمى “مجلس السلام”، إلى إنشاء إطار قانوني يمنح تشكيلاته أو الجهات المنبثقة عنه صلاحيات واسعة للتصرف بالأراضي في قطاع غزة، سواء كانت من أملاك الدولة والأراضي العامة والأوقاف، أو من الملكيات الخاصة، تحت عناوين الإعمار أو الاستثمار أو إعادة التطوير. والخطورة هنا لا تكمن في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، فذلك حق وواجب، وإنما في منح أي جهة صلاحيات تمس حقوق الملكية أو تغير طبيعتها أو تفرض واقعاً جديداً على الأرض دون تفويض وطني أو شرعية قانونية فلسطينية.
والمفارقة أن السلطات التي تعاقبت على إدارة قطاع غزة، رغم اختلاف مرجعياتها السياسية، حافظت على السجل التاريخي للملكيات، لكنها لم تبادر إلى تحديثه واستكماله وتحصينه بما يواكب المتغيرات ويحميه من أي استغلال في ظروف استثنائية كالتي يعيشها القطاع اليوم. وبعد التدمير الواسع للمؤسسات والمحاكم والسجلات، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً إلى تحصين هذا الملف باعتباره خط الدفاع الأول عن حقوق الفلسطينيين في أرضهم.
إن العلاقة بين التهجير وملكية الأرض ليست جديدة في التاريخ. فكل مشاريع الإحلال السكاني بدأت بإفراغ الأرض من أصحابها، ثم أعقبها بناء منظومات قانونية تمنح الواقع الذي فرضته القوة مظهراً من الشرعية. ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يترتب على تسويق “العبور الحر” ليس فقط إخراج الفلسطيني من أرضه، بل تمهيد الطريق للتصرف بالأرض بعد تهجير أصحابها، وتحويل نتائج الحرب إلى وقائع قانونية وسياسية يصعب تغييرها.
ولعل الأخطر أن جانباً مهماً من النقاش بين الفصائل الفلسطينية انصرف إلى البحث في ترتيبات “اليوم التالي” ومواقع القوى السياسية فيها، أكثر مما انصرف إلى السؤال الأخطر: كيف نحمي غزة نفسها من محاولات المساس بأرضها وهويتها القانونية؟ فبينما يدور الجدل حول من سيدير القطاع، قد تكون الأرض ذاتها هي الهدف الحقيقي.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية لم تعد تقع على عاتق الفصائل وحدها، بل أصبحت مسؤولية كل أبناء شعبنا. إنها دعوة إلى أهل غزة، وإلى أصحاب الأراضي، والعائلات، والمخاتير، ورجال القانون، والقضاة، والأكاديميين، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية، لإطلاق أوسع مبادرة وطنية وقانونية للدفاع عن الأرض، وتحصين الملكيات، وحماية السجلات، والتصدي لأي محاولة تمنح أي جهة حق التصرف بأرض غزة أو تغيير وضعها القانوني.
لقد آن الأوان لأن تصبح الأولوية حماية غزة والدفاع عن أرضها، لا الانشغال بالتنافس على حكمها. فالوطن والشعب هما مصدر الشرعية، أما السلطة فليست سوى أداة لخدمتهما وصون حقوقهما. وحين يصبح التنافس على السلطة بديلاً عن الدفاع عن الوطن، تكون القضية الوطنية كلها في دائرة الخطر.
فلتكن هذه لحظة اصطفاف وطني حقيقي، يلتقي فيها الجميع حول حماية الأرض، وصون حقوق أهلها، ورفض أي محاولة لتكريس نتائج التهجير أو المساس بملكية الأراضي أو تذويب الهوية القانونية والسياسية لقطاع غزة. فغزة وطنٌ ليس للبيع، وأرضها ليست قابلة للتصرف، وحقوق شعبها لا تسقط بالحرب ولا تُلغى بتغيير المصطلحات.