الكاتب: أكرم عطا الله

غـزة .. الـمـخـرج الـوحـيـد ..!

نشرت في 10 مايو 2026 10:32 ص

الكاتب: أكرم عطا الله

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/430114



 

كثعبان سام، يزحف الخط الأصفر ليقضم مزيداً من المكان في غزة، فيحشر الناس في ثلث القطاع بعد أن أصبح ثلثاه تحت سيطرة الاحتلال ويتلوّن كالحرباء فيصبح برتقاليا. هكذا تمارس إسرائيل هواية الاستبداد والسيطرة بالنار على شعب دون أن يدرك العالم بعد هذا الانكشاف الكبير أنه آن الأوان للجم هذا الشر الذي وسع المدى. ففي غزة، ارتكب إبادة جماعية موجهاً ضربة للقيم والأخلاق واتفاقيات ما بعد الحرب العالمية، ثم قام بجريمة كونية بتحريض رئيس منساق نحو حرب تؤدي لإغلاق مضيق هرمز فتتسبب بالإضرار في اقتصاد العالم وخلخلة الاستقرار الكوني والمجتمعات التي بدأت تضطرب بسبب زيادة الأسعار. كل هذا لأن نتنياهو دفع ترامب لحربه الإسرائيلية.
الوضع الفلسطيني مدعاة للتأمل طويلاً بعد أن ضرب الرأس بالجدار حد الإدماء. فحركة حماس التي لا حول لها ولا قوة، تعيش صدمة الدهشة لما فعلته بنفسها وبغزة بضياع ثلثيها وتفاوض على شطبها في نهايات لم يكن يحلم بها أي من قادتها في أسوأ كوابيسه، وهي تتحضر للمغادرة تاركة شعباً في الخيام بعد انكسار حلم التحرير ببرنامجها الوحيد. وعلى الجانب الآخر، حركة فتح التي تتحضر لعقد مؤتمرها وسط غياب عن سؤال: ما العمل؟. بعد إصابة مشروع التسوية بالعطب ليصل المأزق ذروته مصحوباً بهزيمة عسكرية في غزة بعد أن تبنت في عديد مؤتمراتها العمل الجماهيري. لكن بنية الحركة الوظيفية لم تتمكن من جعله فعلا كفاحيا لتصاب بالعجز إلا من إعادة توزيع الطبقة السياسية للحركة علّها تتمكن من تجديد قد يفتح آفاقا لم يعد الواقع يتسع لها.
غزة الحزينة كان من الخطر الشديد العبث بها بهذا الشكل، وقد فشلنا جميعاً في كبح «حماس» من الذهاب لأقصى المعادلة. فصرامة الأيديولوجيا لا تتسع لحديث السياسة، وما بين هذا وذلك انعدم النقاش في المجال العام. بل إن ما كان يُكتب على مدار سنوات طويلة محاولاً إفادة «حماس» كان يلقى غضباً أو سخرية في أحسن حالاته، لأن أزمة الأيديولوجيا تصيب الناس بلوثة الحقيقة المطلقة فيصبح ما دونها مجرد هرطقات. ولم يكن من المصادفة أن تفشل المصالحة في الداخل الفلسطيني ليس بفعل التدخل الإسرائيلي بخلق مناخات الاستعصاء بين الفلسطينيين ودفع الأطراف للتصلب، بل بفعل الصراع الحاد بين الأيديولوجيا والسياسة، الأولى مثلت حالة عقائدية صلبة لدى الحركة الإسلامية والثانية مثلت حالة إدارية مرنة. الأولى، كانت تبحث عن الحل من السماء بينما الأخرى كانت تبحث عنه على الأرض ولم يستطع الفلسطينيون نظراً لحداثة تجربتهم في الحكم من فض الاشتباك بينهما ليكون هذا الخراب.
لا أحد تمكن من وقف إبادة الناس في غزة، لا العواصم العربية اهتزت ولا الحلفاء أوقفوا إنتاج النفط ولم يغلق مضيق هرمز لينقطع عن أوروبا ولا أميركا .... كلهم وقفوا يشاهدون المحرقة، وحده استسلام «حماس» المتأخر وتعهدها بتسليم أدوات السابع من أكتوبر هو من أحدث تخفيفاً للإبادة ودون ذلك كانت مدينة غزة على وشك أن تتحول مدينة أشباح بعد الطلب بإخلائها، أو أن تتحول إلى شيء أصفر وربما برتقالي لتعود إسرائيل بمسمار جحا وحجة السلاح لتسيطر عليها بلا خروج بعد أن تكون أفرغت سكانها. وحينها سيدرك الجميع أن ما سيطرت عليه من أراضٍ وتوسع أهم كثيراً جداً من سلاح «حماس»، لكنها ستطالب به على سبيل التبرير. أرأيتم هذه المعادلة القائمة؟ 
وفي إطار التفكير الهادئ والشعور الحقيقي باليُتم ليس هناك إلا التفكير بما تملكه غزة المكسورة بما تبقى من ممكنات قوتها، وهذا يتطلب أولاً أن يكون تفكيراً جماعياً للبحث عن مخرج وأن يتكفل الغزيون أمام شعور الوحدة الذي يستولي عليهم بعد التجربة بالبحث عن حل لأنفسهم، فالعقل الجمعي هو القادر على إيجاد الحلول بعد تجربة العقل الفردي من قبل «حماس» وحدها والذي وصل إلى هذه المحطة التراجيدية. فلن ينقذ غزة أحد أمام غول إسرائيلي تنفتح شهيته على الأرض الصغيرة فيما «حماس» تفكر في ردود ومفاوضات وبقاء سلاح وآليات ومطالبات بتطبيق مرحلة أولى، يستمر الإسرائيلي دون انتظار تاركاً «حماس» وحدها تنتظر لكنه يزحف بلا توقف.
ما العمل؟ وهو السؤال السهل المعقد وسط لحظة تتجمع كل التباساتها على رأس الغزيين وعلى رأس الفلسطينيين جميعاً، لكن غزة لأنها مركز الحدث وفي لحظة اعتقدت أنها وحدها قادرة على الإقلاع بتحرير فلسطين قبل أن تسقط وتنكسر، لا بد أن يبدأ البحث في غزة وإذا لم يتحرك الفلسطينيون لن يتحرك أحد، فالسطوة الإسرائيلية لن تسمح لأحد بالتدخل، وهنا لا بد من القول، إن «حماس» التي عادت للتفرد بغزة، حكماً وإدارة، عليها أن تكون جزءا من تفكير جمعي تلتزم به، فتفردها لسنوات جر ما يكفي من العذاب على هذه المنطقة الحزينة.
حين تنغلق كل الخيارات لا يبقى سوى خيار صرخة شمشون في وجه الجميع بحركة الشارع الفلسطيني، فقد بلغ العذاب أشده بالفقر والمرض والموت والقوارض والحشرات والغلاء والخيام والجحيم وانعدام الماء والغذاء والكهرباء. لماذا لا يتحرك الناس في تظاهرات في الشوارع حاملين أطفالهم الجوعى والمرضى بعشرات الآلاف؟ كيف يقبل الغزيون حياة الخيام والذل والبؤس دون أن يتحركوا؟ سؤال يرسم معالم اللحظة بعد أن ذهب الإعلام تاركاً غزة نحو منطقة ذات تأثير على مصالح الكون، لكن مع غزة البائسة لا يتضرر أحد حتى لو أبيدت عن بكرة أبيها.