نشرت في 17 أكتوبر 2026 10:28 م
https://khbrpress.ps/post/436682
كتب: وليد العوض
لم يكن قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بتأجيل الانتخابات التشريعية والدعوة إلى حوار وطني شامل، مجرد إجراء يتعلق بموعد انتخابي تعذّر الالتزام به. فأهميته السياسية تكمن أيضاً في اعتماد رؤية حزب الشعب الفلسطيني ومقترحاته الستة، التي تتمحور حول إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال، والانتقال من مربع السلطة إلى مربع الدولة، وإعادة بناء النظام السياسي، والتوجه نحو مجلس تأسيسي لدولة فلسطين، وإعداد دستور ديمقراطي، وإطلاق حوار وطني يعيد بناء الوحدة ويجدد الشرعية السياسية والديمقراطية.
وتتجاوز هذه الرؤية الجدل حول إجراء الانتخابات أو تأجيلها، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف ننتقل من إدارة واقع السلطة المقيدة باتفاقات المرحلة الانتقالية إلى بناء أدوات النضال من أجل استقلال دولة فلسطين وسيادتها الفعلية، دون القفز فوق الواقع أو تجاهل تعقيداته؟
منذ إعلان الاستقلال عام 1988، واعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولة مراقباً غير عضو عام 2012، وصولاً إلى اتساع الاعتراف الدولي بها، لم يعد مقبولاً استمرار التعامل مع فلسطين وكأنها مجرد سلطة حكم ذاتي تنتظر الإذن بالتحول إلى دولة.
فلسطين دولة تحت الاحتلال، وهذه حقيقة سياسية وقانونية تستند إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال والسيادة. غير أن ذلك يقتضي التمييز بين الحق في السيادة وممارستها الفعلية؛ فالاحتلال يسلب الشعب الفلسطيني القدرة على ممارسة سيادة دولته على أرضها، لكنه لا يستطيع إلغاء هذا الحق أو مصادرة إرادته الوطنية.
ومن هنا، فإن الهدف ليس الادعاء بأن السيادة قد تحققت، أو الحديث عن بسطها وكأن الاحتلال مجرد عقبة إدارية، بل إنهاء الاحتلال وتجسيد استقلال دولة فلسطين وسيادتها الفعلية على أرضها المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. فالشعب الفلسطيني ليس سلطة تتفاوض على توسيع صلاحياتها، بل شعب يناضل لإنهاء احتلال دولته.
إن الانتقال من مربع السلطة إلى مربع الدولة لا يتحقق بتغيير الأسماء واللافتات، ولا يجوز أن يتحول إلى شعار يشبه القفزة في الهواء. فنحن لا نبدأ من فراغ، بل من واقع سياسي ومؤسسي نشأ في ظل اتفاقات أوسلو، وتراكمت فيه اختلالات عميقة، لكنه يضم مؤسسات وخبرات وطنية لا يمكن تجاهلها أو التفريط بها.
والمطلوب ليس هدم القائم قبل بناء البديل، ولا إعادة إنتاجه بمسميات جديدة، وإنما الانطلاق منه لتغييره، وإعادة تحديد وظائفه وأولوياته، بما ينقل مركز الثقل من إدارة الحكم الذاتي المحدود إلى تنظيم قدرات الشعب الفلسطيني ومؤسساته في معركة إنهاء الاحتلال.
ولا يلغي هذا التحول مسؤوليات المؤسسات القائمة تجاه المواطنين، بل يفرض تطوير أدائها وتعزيز مساءلتها وقدرتها على توفير مقومات صمود الناس وبقائهم على أرضهم، باعتبار ذلك عاملاً حاسماً في الصراع مع الاحتلال. فلا يمكن اختزال المشروع الوطني في إدارة الاحتياجات اليومية، كما لا يمكن بناء مشروع الدولة بمعزل عن مصالح المواطنين وحقوقهم.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة إلى تشكيل مجلس تأسيسي لدولة فلسطين وإعداد دستور ديمقراطي أهميتها باعتبارهما أداتين سياسيتين ودستوريتين لإعادة بناء النظام السياسي، والتعبير عن الإرادة الوطنية السيادية، وليس باعتبارهما إعلاناً عن اكتمال السيادة الفعلية.
فالمجلس التأسيسي ليس مجرد بديل شكلي للمجلس التشريعي، بل إطار لتجديد الشرعية الديمقراطية وتطوير مؤسسات الدولة، بما يحافظ على مكانة منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويضمن وضوح العلاقة بين المجلس التأسيسي والمجلس الوطني الفلسطيني.
كما أن الانتقال من القانون الأساسي إلى دستور لدولة فلسطين يعبر عن إرادة وطنية ترفض بقاء النظام السياسي أسيراً لقيود المرحلة الانتقالية، ويؤسس لنظام ديمقراطي يصون الحقوق والحريات والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.
وينبغي أن تتم هذه العملية بمشاركة وطنية وشعبية واسعة، وأن يكون للشعب القول الفصل في إقرار الدستور بالوسائل الديمقراطية الممكنة، بما فيها الاستفتاء الشعبي عندما تتوافر شروط إجرائه بحرية وشمولية. فالدستور والمجلس التأسيسي والاستفتاء ليست مظاهر لسيادة مكتملة، بل أدوات كفاحية وديمقراطية لتعزيز مقومات الدولة في معركة استقلالها.
إن القيمة الحقيقية لاعتماد اللجنة التنفيذية رؤية حزب الشعب الفلسطيني تكمن في تحويلها إلى برنامج عمل واضح، يبدأ بحوار وطني شامل يستند إلى مراجعة سياسية جادة، ويعالج إعادة بناء النظام السياسي، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات والقوانين، وتحديد العلاقة بين مؤسسات الدولة ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ويتطلب ذلك تطوير وظائف السلطة القائمة، وتعزيز الحريات العامة والمساءلة، وتوفير مقومات بقاء المواطنين على أرضهم، بالتوازي مع استراتيجية وطنية للمقاومة الشعبية والسياسية والقانونية والدبلوماسية، تستثمر الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وقرارات الشرعية الدولية والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في معركة إنهاء الاحتلال.
وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين الاستعانة بالأمم المتحدة للإشراف على الانتخابات وضمان نزاهتها وحمايتها من التدخل الإسرائيلي، وبين المطالبة بإدارة دولية أو وصاية على العملية الانتخابية، بما ينتقص من استقلال القرار الوطني الفلسطيني. فالمطلوب دعم دولي لتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه، لا حلول دولية محل إرادته الوطنية ومؤسساته المختصة.
وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل حرب الإبادة والدمار الذي تعرض له قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والضم والتهجير في الضفة الغربية والقدس، ومحاولات فرض ترتيبات تكرس فصل غزة عن بقية الأرض الفلسطينية.
إن مواجهة هذه المخاطر تتطلب التمسك بوحدة دولة فلسطين وأرضها وشعبها ومؤسساتها، ورفض الوصاية على قطاع غزة، وإعادة توحيد النظام السياسي تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية.
ويقتضي هذا التحول أيضاً مراجعة الخطاب السياسي والإعلامي الفلسطيني، فلا يكفي استبدال كلمة السلطة بكلمة الدولة، بل ينبغي ترسيخ الوعي بأن فلسطين دولة تحت الاحتلال، وأن إنهاء هذا الاحتلال وتجسيد استقلالها وسيادتها الفعلية هو جوهر المشروع الوطني.
فالمعركة ليست على المصطلحات وحدها، وإنما على السياسات والأدوات التي تعبر عنها، وعلى تحويل الاعتراف الدولي والحقوق القانونية إلى قوة سياسية وشعبية منظمة.
إن الانتقال من مربع السلطة إلى مربع الدولة ليس إعلاناً عن سيادة تحققت، ولا قفزة فوق الواقع القائم، بل انطلاق منه لتغييره، وإعادة بناء مؤسساتنا وأدوات نضالنا على أساس أن فلسطين دولة تحت الاحتلال، وأن إنهاء هذا الاحتلال وتجسيد استقلالها وسيادتها الفعلية هو الهدف الذي ينبغي أن تنتظم حوله سائر المهام الوطنية.