بقلم اكرم عطااللة

كم مرة يجب أن تغرق غزة ؟

نشرت في 08 نوفمبر 2026 10:05 ص

بقلم اكرم عطااللة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/437641



 

لا شيء يوجع القلب مثل غزة، فالمشاهد في قسوتها لا تقل عن قسوة الحرب، والذين يغرقون في الخيام هم الذين كَتب عليهم أبناء غزة وهم يجربون هواية السياسة أن يعيشوا الذل.
فالبؤس أصبح رفيق درب هذه المنطقة التي أصبح الغرق جزءا من وجبة عذابها اليومي.
تغرق في الجوع وتغرق في فائض المياه وفي نقص المياه، وتغرق في التكيات وتغرق في النقص المزمن لكل شيء، ولكنها أيضاً تغرق في سياسييها أو الذين أرادوا اختبار الأيديولوجيا عن جهل ليجعلوها مثار الشفقة.
لا شيء يوجع القلب ولا شيء يثير الاهتمام مثل يُتم غزة التي تركها الجميع، وسيل من المشاهد التي تقطر وجعاً لم تتوقف منذ سنوات.
أقدام مبتورة وأرواح مقطوعة وأجساد لا تجد ما تتكئ عليه سوى العويل المستمر، وعالم يقف متفرجاً كأنه يشاهد عرضاً لرواية كتبها فيكتور هوجو.
فالتراجيديا تبلغ ذروتها وتكفي لأن يغرق العالم في الظلام الطويل.
دوماً هناك ما يكفي لنتذكر كيف أطاح أبناء غزة الأقل ثقافة بتلك المدينة، كأن حكم الشعوب يحتمل هذه الخفة التي أدارت بها حركة حماس البلاد والعباد قبل أن تقفز في الهواء لتنتهي هي والمدينة لهذه النهاية المفجعة.
والحقيقة الصادمة أكثر، أن الحركة وهي تمارس هوايتها بخلط الدين بالسياسة وأمام أم الحقائق المفجعة التي أنتجها هذا الخلط لم تعرف بعد ما الذي حدث وما الذي فعلته، بل إنها تزاحم لقيادة الشعب الفلسطيني، ومرة توافق على إلغاء الانتخابات هرباً من نتيجة عنوانها غرق الغزيين في الخيام، ومرة تهاجم السلطة لأنها تلغي الانتخابات. وهكذا تستمر لعبة الخفة بلا حدود.
يدرك العارفون في السياسة منذ أن قررت حماس دخول الانتخابات أن الحركة دخلت دون الحد الأدنى لمؤهلات السياسة، والأمر ليس أكثر من مجرد رغبة بالفوز بلا استحقاقات ودون معرفة أن هذه المنطقة البائسة لا تحيا دون اتفاق مع إسرائيل التي تتحكم بمعابرها وبكمية الغذاء والماء والهواء لتطرد السلطة وتنسحب من الاتفاق وهكذا تعطي الإسرائيلي مبرراً للتنكر لاتفاق المعابر وتعذيب غزة.
لكنها تستمر في الاحتجاج كأنها لا تعرف تلك المعادلة بأنها من بدأ الانسحاب ثم تعلن أن لديها من القوة ما يكفي لفك الحصار قبل أن تجر غزة لستة عشر عاماً من الفقر والجوع والمرض والعزل والإغلاق.
ولم تكن تدرك أنها تدير بلداً بمستوى لا يستوي مع الحد الأدنى للأبجديات السياسية بل كان في مراحل كثيرة مدعاة للسخرية من قبل وسائل التواصل الاجتماعي بشيء أقرب للفهلوة.
وكنا ندرك أن المستقبل يتجه نحو الهاوية وصدر كثير من التحذير من هذا المستوى حين يمتلك بعض الإمكانيات سيتسبب بالدمار، وقد حصل دون أن يستفيد من تجارب المعارك الصغرى ولم يتوقف أمام موازين قوتها الفادحة، ودون أن يدرك الدور الوظيفي لحركات الكفاح ضد الاحتلال.
ورطة غزة الآن أنها تعيش على هامش الأحداث الكبرى.
فالعالم ينشغل في الانتخابات الأميركية بعد الانتخابات الإسرائيلية ومضيق هرمز والقرصنة الإلكترونية وانشغال العواصم وتغيير الشعوب لنظمها، بينما تقف غزة على طابور التكية وسحب المياه من الخيام بالدلو وترقيع الخيمة والبحث عن مياه الشرب النادر.
وبين نقص الماء وفائض الماء تكمن مأساة شعب وقع ضحية بين جهل أبنائه ومكر أعدائه وقلة حيلة الأصدقاء الذين نفخوا في بعض الأبناء الذي اعتقدوا أنهم قادرون بما يملكون من هوامش قوة على تغيير موازينها وأن العالم سيهرع لمعركتهم، قبل أن تكتشف غزة أنها جزء من صراع مركزه فلسطيني بعد أن اصطدمت مع بعض الأبناء وطردتهم لتتحالف مع خارج لم يسعفها فتركت وحيدة.
يقف رجل مسن متسولاً بعد أن كان عزيز قوم قبل أن يذل، وشاب يحاول أن يتشبث بخيمة تتطاير في الريح، وسيدة تمسك دلوها تحاول تفريغ الخيمة من اجتياح الماء، وطفل بأيدٍ مبتورة يقف عاجزاً ولا موت يسعفه من هذه الحياة بعد أن خفت حدة الحرب فتركته يعارك بلا أطراف أو ممكنات وينهزم كل يوم حاملاً ما تبقى من روحه المكسورة.
فكل شيء في غزة مدعاة للبكاء. فلماذا هذه المنطقة وحدها من العالم كتب عليها هذا الشقاء؟
الجواب بسيط بسبب الاحتلال الفاشي، ولكن أيضاً لا يمكن تبرئتنا من دمنا وادعاء البراءة، ففائض الأيديولوجيا لدى حماس وفقر السياسة أنتج كل هذا الخراب وهو يجرجر غزة منذ عقدين من أزمة لأخرى ومن حرب لأخرى ومن مأزق لآخر وفي كل مرة يقيم احتفالات النصر على تلة الخراب.
لم نعد نحتمل مشاهد الحزن القادمة من هناك، ومهما حاول العقل الهروب منها محاولاً الحفاظ على توازنه لأن في المقاطع ما يدعو للجنون لما وصل إليه حال الأهل وما أوصله الإسرائيلي الماكر ليجعل من الهجرة طموحاً للغزيين يساعده في ذلك عقل سياسي بدائي يحكم غزة.
باتت غزة بحاجة إلى حل، ولن ينقذها العرب ولا العجم ولا السلطة ولا أوروبا.
فلن ينقذها سوى تنحّي حماس جانباً لترفع آخر الذرائع.
قد يقول قائل: استعدت حماس لكن إسرائيل رفضت. وطبيعي أن ترفض لأن لديها مشروعاً يتطلب إبقاء حماس.
حينها يكون الحل أن يتفاهم الفلسطينيون على تنحّي حماس لقطع الطريق وإلا ستظل غزة غارقة في الحزن والمطر وأكثر.