نشرت في 25 يناير 2026 11:30 ص
https://khbrpress.ps/post/425911
أما وقد تمّ تشكيل لجنة التكنوقراط وباتت مرجعيتها بشكل واضح غير فلسطينية بل دولية، فإن السلطة الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني بحاجة لتطوير معالجات للتعاطي مع الواقع الجديد وللتعامل مع اللجنة، التي مع الوقت ستصبح أكبر من مجرد لجنة. معالجات تحرص على وحدة النظام السياسي ووحدة مصير مناطق دولة فلسطين، والأهم وحدة القضية الوطنية. يجب أن يتم أخذ الموضوع على محمل الجد، إذ إن من الواضح أنه لا سلطة لأي جهة فلسطينية على أعمال اللجنة. فقرار تكليفها لم يكن فلسطينياً ولا أظن أن جهة فلسطينية ما حتى من الفصائل يمكن أن تزعم أنها شكّلت اللجنة، كما أن تمويل اللجنة أيضاً لا يخضع للخزينة الفلسطينية. وسمة السياسة بأن من يمنح الشرعية وحده ينزعها ومن يملك المال يملك عصب الحكم. وبمتابعة مجريات الأسبوعين الأخيرين، فإن الواضح أن اللجنة ذاتها لا تمتلك أي تصور حقيقي عمّا ستقوم بفعله، وباستثناء التصريحات العامة، فإن ثمة اضطراباً واضحاً في فهم أعضاء اللجنة لطبيعة مهامهم ودورهم. وبقراءة بعض التصريحات، فإن عدم فهم واضح يسود حول المستقبل.
وأعضاء اللجنة الذين جاء جلّهم من واقع التجربة الفلسطينية في غزة واكتووا بلهيب الحرب، وعمل الكثير منهم في مؤسسات سياسية وأهلية ومجتمعية، من المؤكد أن غيرتهم على غزة ورغبتهم بمساعدة المواطنين هناك لا يمكن الانتقاص منها، بل إنهم سيقومون بكل ما يستطيعون من أجل تحقيق ذلك، رغم قناعاتي بأن المهام المستقبلية - وربما ما سيطلب منهم لاحقاً - ستكون أكبر بكثير من بعض القدرات الفردية التي يتمتع بها أعضاؤها، إذ هي بحاجة لخبرات من نوع مختلف وأكثر تعقيداً، لكن حسبهم أنهم سيحاولون، رغم أن المحاولة قد تؤتي ثماراً عكسية في بعض التجارب بعيداً عن حسن النوايا. لكن من الواضح أن المرحلة الجديدة ليست بحاجة للكثير من الخبرات الوطنية، بل إن المطلوب نزع الدسم السياسي عن أي عمل ميداني في غزة، وعليه فإن اللجنة كما هي عليه تبدو من نظر من شكّلوها الشكل الأنسب للمرحلة الجديدة.
إن البنية المؤسساتية للإدارة الجديدة في غزة تتسم بالكثير من التعقيدات؛ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار وجود خمسة مستويات إدارية سواء دولية أو ميدانية تشرف على عمل اللجنة، تتمثل في مجلس السلام الذي يقوده الرئيس ترامب برفقة عدد من قادة العالم، والمجلس التنفيذي المكون من سياسيين ووزراء وخبراء في حقول مختلفة يكلف كل عضو فيها الإشراف على ملف وفق بيان البيت الأبيض، والمجلس التنفيذي الخاص بغزة الذي سيكون لجنة عليا تباشر الإشراف التفصيلي على عمل اللجنة الإدارية في غزة، والمفوّض السامي الذي يشكّل حلقة الوصل بين اللجنة والهيئات الأخرى والانطباع أنه سيكون الحاكم الفعلي لقطاع غزة، وقوة الاستقرار الدولية في غزة التي يقودها الجنرال الأميركي جاسبر جيفيرز. يمكن تخيل أن هذا البناء الإداري موجود في مؤسسة واحدة لتصور موقع عمل اللجنة الإدارية في هرم التخطيط والتنفيذ. من المؤكد أن كل هذه الأجسام، وبصرف النظر عن طبيعة عملها، سيكون لها تداخل وسيادة ووصاية على عمل اللجنة الفلسطينية. ستسعى اللجنة قدر المستطاع من أجل «امتلاك» قرارها وسياساتها، ولكن على ما يبدو أن الجميع قد وقع في الفخ.
فكل ما يتم ما هو إلا تنفيذ لتصور ترامب ومستشاريه؛ استجابة للرغبة الإسرائيلية في خلق مصير منفصل لقطاع غزة عن الضفة الغربية، وبالتالي تفتيت الحالة الوطنية الفلسطينية وطمس المسألة الفلسطينية بشكل كامل، وتحويل أي حلول إلى مجرد مبادرات إنسانية بحتة. قد لا يكون نتنياهو سعيداً بشكل كامل من بعض التفاصيل، مثل عضوية تركيا في المجلس التنفيذي وربما في قوة الاستقرار الدولية، لكن هذه التفاصيل الصغيرة والرمزية التي يقوم بها مستشارو ترامب تبدو ضرورية من وجهة نظرهم من أجل تمرير التصورات كاملة بلا نقصان، إذ إن القرار في نهاية المطاف سيكون بيد الفريق الأميركي الذي له الغلبة في كل التشكيلات الفوقية العاملة للإشراف على عمل اللجنة الفلسطينية. نعم لقد وقعنا في الفخ لأسباب كثيرة تمتد من سوء إدارة التفاوض الذي كانت تقوده «حماس» دون أن نتنبه لضرورة وحدة الحال الفلسطينية بعيداً عن شعاراتها الفارغة حول وحدة الساحات متناسية وحدة الحال الوطنية أو مغلبة الآخرين وأدوارهم على الوحدة الوطنية، وصولاً لغياب رؤية سياسية فلسطينية حول اليوم التالي. وكاد المرء يتخم وهو يسمع عبارة «اليوم التالي» سيكون فلسطينياً بامتياز حتى وجدنا أنفسنا أمام تشكيل إداري بتوجيهات دولية بعيداً عن أي مسؤولية فلسطينية.
وفي حقيقة الأمر، لم يصدر عن اللجنة حتى اللحظة أي موقف يقول إنها جزء من المؤسسة الفلسطينية، وإنها ستعمل تحت راية الحكومة الفلسطينية أو شيء من هذا القبيل، بل في أفضل الحالات يتم الترحيب بأي «مساعدة» تقدمها أي جهة لعمل اللجنة لتصبح السلطة والحكومة الفلسطينية مجرد جهة أخرى تقدم المشورة أو المساعدة. أقترح أن يتم تطوير تصوّر وطني لا نعزز وفقه انفصال غزة الذي بدأ فعلياً، ولا ننجر للتصادم مع اللجنة، بل محاولة الاحتواء والعمل من أجل تجاوز الشروط القاهرة للأجسام الفوقية ضمن وفاق وطني على قاعدة الحفاظ على ما تبقى من الحالة الوطنية. وأنا اقترح على التنظيمات الفلسطينية، بما فيها «فتح»، التفكير في مستقبل عملها بغزة، إذ قد تجد التنظيمات نفسها في حالة تصادم مع واقع يراد له أن يكون غير فصائلي بشكل كامل. وإذ كان خلف الأكمة ما خلفها، فإن البصير هو الذي يستطيع أن يحدق في الضباب الكثيف محاولاً أن يرى ما يحجب عنه.
وختاماً، ثمة مياه كثيرة جرت تحت الجسر، ولكن من يخطُ على الجسر لا يأبه إلّا لخطوه؛ خاصة إذا كان الجسر مهشماً وآيلاً للسقوط.