الكاتب: هاني عوكل

ما وراء سياسة الصين المتوازنة؟!

نشرت في 23 مايو 2026 10:44 ص

الكاتب: هاني عوكل

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/430609


 

مباشرةً بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين منتصف الشهر الجاري، حلّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضيفاً على نظيره الصيني شي جينبينغ، في زيارة وصفها بوتين بالمهمة وتعكس تطور العلاقة بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق.
الفارق الزمني بين زيارة ترامب وبوتين إلى الصين أقل من أسبوع، ويبدو أنها لم تكن عفوية بل تحمل دلالات ورسائل على أن بكين ترغب في موازنة علاقاتها الدولية، وهي لا تزال شريكاً أساسياً وإستراتيجياً لموسكو بصرف النظر عن أي انفتاح صيني - أميركي.
بوتين جاء إلى بكين بدعوة من نظيره الصيني، وهذا مرتبط برغبة في تكريس نظام التعددية القطبية الذي تعتبر الصين نفسها في القلب منه، وهي إستراتيجية ذكية للاستفادة القصوى من الدول الكبرى للحفاظ على الصعود التنموي الصيني.
على الرغم من التوترات السياسية والتجارية بين واشنطن وبكين، إلا أن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال الأكبر عالمياً، ويقفز عن نصف تريليون دولار سنوياً، حيث بلغ إجمالي التجارة الثنائية في السلع حوالى 585 مليار دولار العام الماضي، حسب بيانات صينية وأميركية تجارية حديثة.
الصين حققت فائضاً تجارياً كبيراً مع الولايات المتحدة الأميركية، إذ تُصدّر من 430 إلى 440 مليار دولار لواشنطن، بينما تُصدّر الأخيرة إلى بكين بين 140 إلى 150 مليار دولار، ما يعكس رغبة صينية كبيرة في مسألة ضبط التوتر التجاري مع واشنطن.
في المقابل بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين حوالى 228 مليار دولار عام 2025، حسب بيانات صادرة عن وزارة الخارجية الصينية، وهذا الرقم كان أقل من ذلك بكثير قبل الحرب الروسية - الأوكرانية وفرض العقوبات الدولية على موسكو.
بكين تعتمد على موسكو كثيراً في الحصول على النفط والغاز بأسعار تنافسية، ولذلك أغلب الصادرات الروسية التي تجاوزت 112 مليار دولار إلى الصين اعتمدت على المشتقات البترولية، بينما لم تتجاوز الصادرات الصينية أكثر من 92 مليار دولار أميركي.
بالطبع موسكو مستفيدة من الالتفاف على العقوبات الدولية بتوجيه الصادرات النفطية إلى الصين لتمويل الحرب التي تستنزفها ضد أوكرانيا وكذلك لمنع تدهورها اقتصادياً، ولا ينفي أنها مستفيدة سياسياً من دولة تشاركها نفس القناعة بأن النظام الدولي لا ينبغي أن يكون رهيناً للهيمنة الأميركية.
أما الصين فهي المستفيد الأكبر من هذه العلاقات مع واشنطن وموسكو، إذ يبين حجم التبادل التجاري مع البلدين أن التنين الصيني لا يرغب في الوقوف مع طرف ضد الآخر، ولذلك يجوز القول: إن القيادة الصينية منفتحة مع حوار أميركي يخفف التوتر التجاري بين البلدين.
في الحرب الروسية - الأوكرانية أواخر شباط 2022، كان الموقف الصيني حذراً ويميل إلى التوازن النسبي والحياد دون الإعلان الرسمي عن دعم جهة على حساب جهة أخرى، لكنه حسب الكثير من المحللين وقادة العالم كان يميل إلى روسيا سياسياً واقتصادياً دون الدخول المباشر في الحرب.
كذلك في الحرب الأميركية الأخيرة على إيران، قدّمت الصين نفسها كقوة استقرار وليست قوة حرب، وفي حين وقفت على الحياد النسبي، فإنها رفضت التدخل العسكري الأميركي دون غطاء دولي، ودعت للتهدئة، وتواصلت مع طرفَي الحرب للاستفادة الاقتصادية القصوى وتقليل الأثر من تأثر إمدادات الطاقة العالمي.
كل هذا يفسر الاهتمام الصيني باستقبال رؤساء الدول الكبرى، وعلاقاتها المنفتحة مع الكثير من الدول المرغوبة وغير المرغوبة وفق التصنيف الأميركي تُبيّن رغبة بكين في غزو العالم اقتصادياً، وهذا حصل ويحصل شيئاً فشيئاً.
الدليل أن الصين حققت فائضاً تجارياً مع أكثر من 120 دولة حول العالم، حيث تصدر أكثر من ما تستورد، وفي عام 2025 وحده بلغ الفائض التجاري الإجمالي حوالى 1.2 تريليون دولار حسب بيانات الجمارك الصينية في تقرير نشرته مطلع العام الجاري.
الفائض التجاري تحقق مع دول قوية جداً مثل الولايات المتحدة الأميركية والكثير من دول الاتحاد الأوروبي وهونغ كونغ والهند. النتيجة أن الصين تنمو في صادراتها وليست هناك معوقات كبيرة لمنع التصدير من سلع مقبولة ورخيصة وموجودة بوفرة.
في مقابل هذا الفائض التجاري، تعاني الولايات المتحدة الأميركية من عجز تجاري كبير ومستمر من عقود، ويصل إلى حوالى تريليون دولار سنوياً، وزيادته أو استمراريته ستعني فقد جزء من التصنيع لصالح الخارج، وبالطبع الصين هي المستفيد من سد الطلب الأميركي على السلع.
سياسة الصين المتوازنة مع الدول العظمى تحديداً تعطيها الأفضلية في دفع عجلة الاقتصاد وتحقيق التنمية المطلوبة، وقد يأتي يوم الهيمنة الصينية الاقتصادية على العالم عبر سياسة الحياد النسبي والتدفق السلعي بوفرة وانتشاره في الأسواق العالمية.