نشرت في 31 مايو 2026 04:44 م
https://khbrpress.ps/post/430912
كتب وليد العوض
في تصريحات لافتة وخطيرة، أعلن مؤخراً توني بلير، عضو اللجنة التنفيذية لما يسمى بـ”مجلس السلام”، أنه لن يكون هناك أي دور للسلطة الوطنية الفلسطينية في إدارة قطاع غزة، مشيراً إلى أن مباحثات ستجري مع حركة حماس بشأن ترتيبات نقل الحكم في القطاع. وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع إعلان بنيامين نتنياهو عزمه توسيع نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية ليشمل ما يقارب 70% من مساحة قطاع غزة، في وقت يتواصل فيه العدوان وتتوالى الخرائط التي تكشف عن مناطق السيطرة والتقسيم المتوقعة.
هذه التطورات لا يمكن قراءتها باعتبارها مواقف أو تصريحات منفصلة، بل بوصفها حلقات مترابطة في مشروع سياسي وأمني متكامل ما زالت أهدافه الأساسية قائمة ولم تتغير. فالعدوان المستمر على قطاع غزة لم يعد مجرد حرب عسكرية، بل بات جزءاً من عملية إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني على أسس تتعارض كلياً مع الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن جوهر هذا المشروع يتمثل في مواصلة حرب الإبادة والتدمير في قطاع غزة وخلق بيئة طاردة بهدف دفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية، ومنع استعادة وحدة الولاية السياسية والقانونية والجغرافية للأرض الفلسطينية المحتلة، وقطع الطريق أمام أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.
ولا يقتصر تنفيذ هذا المشروع على ما يجري في قطاع غزة وحده، بل يتكامل مع سياسات موازية ومتسارعة في الضفة الغربية والقدس المحتلة. ففي الوقت الذي تتواصل فيه حرب الإبادة والتدمير في غزة، تتسارع عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتتوسع اعتداءات المستوطنين المنظمة تحت حماية جيش الاحتلال، فيما تتزايد الدعوات والإجراءات الرامية إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وفرض الوقائع الاستعمارية عليها. وفي السياق ذاته، تواصل حكومة الاحتلال سياسة القرصنة المالية عبر احتجاز أموال المقاصة والاستيلاء على أجزاء منها، بما يفاقم الأزمة المالية ويقوض قدرة المؤسسات الوطنية على القيام بواجباتها. وتشكل هذه السياسات مجتمعة جزءاً من محاولة منهجية لإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية وتقويض دورها السياسي والإداري، تمهيداً لفرض ترتيبات بديلة تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها الشرعية، وتفتح الطريق أمام إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يخدم أهداف الاحتلال ومخططاته بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات بلير بمثابة كشف واضح للدور المنوط بما يسمى “مجلس السلام” فالمجلس لا يظهر كجهة تسعى إلى إنهاء الصراع أو تحقيق سلام عادل، بل كإطار سياسي وإداري يعمل على إدارة نتائج العدوان وترتيب المشهد الفلسطيني قسرياً بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية والأمريكية. وهو أمر سبق أن حذرنا منه مراراً منذ أن أعلن عن تشكيل هذا المجلس وتقديم مبادراته تحت عناوين إنسانية أو تنموية، فيما كانت أهدافها الحقيقية تتعلق بإعادة هندسة الواقع السياسي الفلسطيني وتجاوز التمثيل الوطني الشرعي الموحد للشعب الفلسطيني.
إن أخطر ما في هذه الطروحات أنها تسعى إلى تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، وتحويل غزة إلى كيان سياسي وإداري منفصل وغير معرّف يخضع لترتيبات خاصة، بما يؤدي عملياً إلى تصفية المشروع الوطني الفلسطيني القائم على وحدة الأرض والشعب والقضية.
أمام هذه المخاطر، فإن المطلوب فلسطينياً لم يعد يقتصر على ردود الفعل أو بيانات الإدانة، بل انتزاع زمام المبادرة الوطنية عبر الإسراع في مغادرة مربعات الوهم؛ سواء تلك التي تعتقد أن بإمكانها حجز مقعد لها عبر التفاوض مع ما يسمى بمجلس السلام وتشكيلاته المختلفة، أو تلك التي تبالغ في المراهنة على أن الأمور ستؤول إليها تلقائياً بعد حين استناداً إلى وعود كاذبة وخبيثة خبرها شعبنا على مدار سنوات طويلة.
إن مغادرة مربعي الوهم والمراهنة يتطلب بلورة موقف فلسطيني موحد، ركيزته الأساسية إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ووضع هذا الملف بأكمله في عهدتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ونظراً لما تمتلكه من اعتراف دولي وقدرة على استحضار قرارات الشرعية الدولية ومفاعيل القانون الدولي. كما يتطلب الأمر تحركاً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً لفضح هذه المخططات أمام المجتمع الدولي، والتأكيد أن مستقبل غزة هو شأن فلسطيني خالص، وأن القطاع جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.
إن ما يجري اليوم يؤكد أن المعركة لم تعد فقط معركة وقف العدوان، بل معركة الدفاع عن وحدة القضية الفلسطينية ومنع فرض الوقائع التي تستهدف تصفية الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. ولذلك فإن استعادة المبادرة الوطنية أصبحت ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، لأن البديل هو السماح للآخرين برسم مستقبل فلسطين بعيداً عن إرادة شعبها وحقوقه الثابتة.