الكاتب: حسن خضر

مشروع الفِطام..!!

نشرت في 12 مايو 2026 10:27 ص

الكاتب: حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/430187



 

يقدّم الأميركيون معونة عسكرية لإسرائيل مقدارها 3,8 مليار دولار في كل عام. وقد عبّر بنيامين نتنياهو في مقابلة متلفزة، قبل يومين، عن ضرورة وقف الاعتماد عليها (الفِطام، كما قال) وتقليصها إلى صفر على مدار عقد من الزمن بعد 2028. هذه ليست المعونة الوحيدة التي يحصل عليها الإسرائيليون، بطبيعة الحال، فثمة ما لا يحصى من الهبات والقروض والأسعار التفضيلية والإعفاءات. 
ومع هذا في البال، لا مجازفة في القول إن الإجمالي السنوي لهذه الأموال مجتمعة يُعد بعشرات المليارات، بالتأكيد، ناهيك عن أموال أُخرى تُصرف في صورة تبرعات واستثمارات تُحسب بالمليارات، أيضاً. 
كما وتشهد حالات «الطوارئ» موازنات إضافية، فعلى مدار عامين بعد السابع من أكتوبر 2023 تجاوزت قيمة المساعدات 21 مليار دولار. 
لا تستهدف معالجة اليوم تحليل المعونات الأميركية، عموماً، بل تقصي الأسباب الكامنة وراء رغبة نتنياهو في وقف الاعتماد على العسكرية منها، وتشخيص أسبابها المحتملة في السياق العام للكلام عن «الحرب على سبع جبهات» و»تغيير خارطة الشرق الأوسط». 
وقد تناولنا جانباً من هذا الأمر في معالجات سبقت. 
وبما أن الشيطان في التفاصيل، كما يُقال، فإن الكلام عن تقليص المعونة العسكرية السنوية إلى درجة الصفر يكشف أمراً، ويحجب أمراً آخر (لا يظهر في الغالب في نشرات الأخبار وتحليلات «الخبراء»).
وهذا ما يتضح في حال تقصي وتشخيص أسباب ودوافع الفِطام. فالصحيح، أن الوصول بالمساعدات المعنية إلى درجة الصفر على مدار عقد من الزمن يتناسب مع تطوير واختبار صيغة جديدة ومبتكرة للتعاون العسكري بين الطرفين.
تمثلت الصيغة المُتعارف عليها حتى الآن في تخصيص المعونة العسكرية، أو القسط الأكبر منها، لشراء أسلحة أميركية. 
أما الصيغة الجديدة لمرحلة ما بعد الفِطام فتتمثل في شراكة بين الطرفين في إنتاج وتطوير تكنولوجيا السلاح. 
بمعنى أكثر مباشرة: سيشتري الأميركيون من الإسرائيليين، ويستثمر الإسرائيليون في الصناعات العسكرية وتكنولوجيا سوق السلاح الأميركية. 
وفي إطار كهذا، فإن عائد الشراكة والاستثمار أكبر بكثير من المساعدة العسكرية.
تخدم الصيغة الجديدة هدف «الاعتماد على النفس» وهو المركب العضوي في العقيدة العسكرية للإسرائيليين، الذي كشفت سلسلة حروب الشرق الأوسط، منذ السابع من أكتوبر (وفي عقود سبقت) مدى ما يعاني من خلل وقصور. فالحاجة للأميركيين كانت، وما زالت، عضوية. ومع ذلك، يمكن التفكير في طموح «الاعتماد على النفس» كدافع رئيس في مشروع «الفطام»، الذي صار أكثر راهنية وإلحاحاً على ضوء ما طرأ على البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط من تغيّرات هائلة في السنوات القليلة الماضية.
ومع هذا كله في البال، فلنفكر في وجود إكراهات بنيوية في صميم هذا المشروع. ومنها مستقبل القوة الأميركية في الشرق الأوسط. فعلى الرغم مما يبدو للوهلة الأولى من إعادة إحياء لدور الشرطي وأوهام السلام الأميركي في المنطقةPax Americana  إلا أن طموحات ومصالح الأميركيين، ناهيك عن قدراتهم الفعلية، تتراجع في هذا الجزء من العالم. 
ومن الواضح أن صنّاع السياسة الإسرائيلية، وجانباً كبيراً من الإبراهيميين، وعرب الحواضر، ينظرون إلى القوّة الإسرائيلية كوريث للأميركيين.
ففي المقابلة نفسها، التي تكلّم فيها نتنياهو عن مشروع الفِطام، قال، أيضاً: «ستشعرون بالدهشة لو أدركتم كم من الدول العربية تريد تمتين علاقاتها معنا»، واستطرد في الكلام عن إمكانية توسيع وتعميق الاتفاقات مع دول عربية إلى «نوع من التحالف لم نحلم به من قبل». 
وكذلك التعاون في مجالات الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والفيزياء. 
ويمكن أن نُضيف، هنا، أن الأمر لا يحتاج مهارات خاصة لإدراك أن وراثة القوّة الأميركية تشمل سوقها، ومنظومتها الأمنية والاقتصادية، بما فيها المال مقابل الحماية، وكافة مستلزمات ما يشبه Pax Israeliana من الاتفاقات والتفاهمات الأمنية والاقتصادية، التي تؤدي فيها إبراهيميات وحواضر دور رأس الحربة، ووسيلة الإيضاح، ويحصل فيها كتاب روايات على جوائز بمئات آلاف الدولارات، أيضاً.
وعلى مقلب آخر، يبدو مشروع الفِطام خطوة استباقية لتدارك تدهور المكانة التقليدية لإسرائيل لدى قطاعات واسعة من الأميركيين. 
نجم التدهور عن التداعيات والدلالات الأخلاقية والسياسية، التي لا تُطاق، لحرب الإبادة في غزة. 
تُضاف الحرب على إيران، التي يعتقد أميركيون من التيار العام لا من هوامش اليمين واليسار، بأنها نجمت عن تلاعب نتنياهو بترامب، إلى قائمة أسباب التدهور.
وإلى هذه وتلك، تُضاف الخلطة غير المسبوقة لمادة سريعة الاشتعال هي مؤهلات دونالد ترامب العقلية والسياسية وتاريخه الشخصي، والتداعيات بعيدة المدى لشعار «أميركا أولاً»، وما نجم عنها حتى الآن يدل على دخول العلاقة الاستثنائية والفريدة بين إسرائيل والأميركيين مرحلة الخطر.
وما يعنينا من هذا كله الآن أن مشروع الفِطام يُخرج المساعدة المالية الأميركية من قائمة الذرائع التي يستخدمها أميركيون من التيار الرئيس في الصحافة، والأكاديميا، والسياسة، لإلقاء العبء الأخلاقي والسياسي لحروب إسرائيل على عاتق إدارات أميركية مختلفة من ناحية، والشكوى من دفع فواتيرها المالية، من جيب دافع الضرائب الأميركي، من ناحية ثانية.
ثمة ما يتجلى، هنا، كمحاولة لضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد: يسعى نتنياهو لتجريد هؤلاء من ذريعة صارت مؤثرة في نظر الكثير من الأميركيين أولاً، ويُمهّد لسيناريوهات لا تبدو فيها المساعدة الأميركية مضمونة ثانياً، ويسد أحد المنافذ التي قد تستخدم لممارسة الضغط على صنّاع السياسة الإسرائيلية من ناحية ثالثة.
ما تكلمنا عنه حتى الآن يتمثل في محاولة لتشخيص واقع قيد التشكيل تسعى للتأثير عليه، وامتلاكه، وصياغته، طموحات فاوستية أفلتت من عقالها. فاصل ونواصل.