نشرت في 10 أبريل 2026 11:46 ص
https://khbrpress.ps/post/428924
«الملك عارياً» هكذا كتب أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر فضل عاشور وهو يصف حالة نتنياهو بعد وقف إطلاق النار بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فلا هو أسقط نظام طهران وهي المهمة التي يتحضر لها منذ عقود وبعد أن وجد أخيراً رئيساً أميركياً يذهب معه بلا حساب، ولا غير وجه الشرق الأوسط ولا كرّس إسرائيل دولة إقليمية مهيمنة.
وكان السلوك شديد العصبية تجاه لبنان يعكس طبيعة مأزق إخفاق المهمة وحديثه في اليوم الأول عن إنجازات هائلة يعكس نقيضها المركزي وهو الإطاحة لا أقل، صحيح أنه حقق إنجازات كبيرة بضرب إيران ولكن بين انتصارات تكتيكية وخسارات استراتيجية كانت حركة الأحصنة والقلاع على رقعة الشطرنج.
ظل جهاز الموساد درة الأمن الإسرائيلي بعيداً عن التوبيخ باعتباره لا يتحمل مسؤولية عن استشعار السابع من أكتوبر التي أطيح بسببها رئيس جهاز المخابرات رونين بار ورئيس الأركان هرتسي هاليفي ورئيس الاستخبارات العسكرية أهارون حليفا ....هذه المرة يلتحق بهم الموساد لأنه من قدم تقديرات الحرب بأنه في أربعة أيام يخرج المتظاهرون ويسقط النظام ويعود نتنياهو بخطاب النصر التاريخي ويعود ترامب في جعبته كل نفط إيران وما يسمح لهما بإعادة هندسة المنطقة وخليج المياه وممرات الطاقة وعلاقات المنطقة.
ورغم كل نصائح أوروبا والعرب بألا يغامرا بهذه الحرب فلن يحصدا سوى الريح، لكنهما ذهبا ما تسبب بتلك الأزمة العالمية التي جعلت كبريات العواصم تدفع ثمن مقامرة اثنين من المصابين بلوثة القوة دون أن يدركا حدودها.
وهذا أخطر ما يحدث حين تعتقد القوة أنها لا حدود لها، وإلى أن تكتشف ذلك تكون البشرية قد مرت بواحدة من أسوأ تجاربها.
تقف إسرائيل بعد هذه الحرب دولة مكروهة، فقد تسببت بضائقة عالمية وبإحراق الإقليم وضرب الاقتصاد الكوني بسبب أحلامها الوحشية.
وبات واضحاً أن العالم ضاق ذرعاً بها وبالرئاسة الأميركية معها.
فتصريحات رئيس وزراء أسبانيا تشي ببلوغه حداً لم يعد يعد يحتمل السلوك الإسرائيلي وهو يعلق على ضرب لبنان بقوة كبيرة بعيد الإعلان عن الاتفاق والذي فسره المراقبون كنوع من التعويض والشعور بالإهانة فيما ذهب جزء للقول إنه مسعى حقيقي لتدمير الاتفاق فقد قال بيدرو سانشيز: «استخفاف نتنياهو بحياة البشر لم يعد مقبولاً حان وقت قول الأمور بوضوح، ينبغي على الاتحاد الأوروبي تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل ولا ينبغي أن تمر هذه الأفعال الإجرامية دون محاسبة».
هكذا يسميها نصاً «إجرامية» فالعالم لم يعد يقبل هذه السياسات المتوحشة بلا حدود المستعدة لإشعال النار بلا حدود فقد أصيب بالتقزز خصوصاً من الثنائي نتنياهو ترامب وجنوحهما وجنونهما أيضاً.
انسحب الأمر على الشريك الذي لم يستمع لنصائح القارة صاحبة التجربة الطويلة في حروب الشرق، بل وحين لم يحقق نصره السريع وفشل في فتح المضيق بالقوة أخذ يشتم ويهدد بالانسحاب من الناتو ومعاقبة أوروبا لأنها لم تلتحق بحرب نتنياهو معه ولم تساعده في حرب كان واضحاً أنها ستضرب عصب الاقتصاد، بل كانت تعرف أنه كان بالإمكان التوصل لحل بالمفاوضات بعد المرونة الكبيرة في الجولة الأخيرة.
وتلك الدول ليست مضطرة لابتلاع الخديعة الإسرائيلية كما قال جوزيف كنت المسؤول البارز في مكافحة الإرهاب والذي كتب في رسالة استقالته «لم تشكل إيران أي تهديد وشيك لشعبنا».
هذا أدركه العالم الذي لم يلتحق بتلك المقامرة بل تجرأ لأول مرة على تحدي واشنطن ومنع استخدام مطاراته لأغراض الهجوم على إيران.
أربع عواصم مركزية في القارة الأوربية تتمرد بشكل أو بآخر. فإسبانيا تغلق مجالها الجوي بشكل حازم وتصف الحرب بغير القانونية وغير العادلة، وإيطاليا ترفض السماح لقاذفات أميركية بالهبوط في قاعدة سيغونيللا في صقلية وفرنسا ترفض مرور طائرات محملة بالأسلحة إلى إسرائيل، أما بريطانيا الحليف التاريخي في كل الحروب فقد رفضت طلباً أميركياً لاستخدام قواعدها لضرب إيران ما يعني أن العالم الذي بات يكره الحروب قد أصيب بالضجر من إسرائيل ومعها الولايات المتحدة وهذا مهم في صعود إسرائيل لتصبح دولة صغيرة منبوذه ومحتقرة.
العالم ليس غبياً كما يظن نتنياهو، ففي مقال له في مجلة الإيكونومست كتب وزير الخارجية العماني بدر البو سعيدي «الولايات المتحدة فقدت السيطرة على سياستها الخارجية حيث كان الجانبان على وشك التوصل لاتفاق» ويؤكد ذلك جوناثان باول مستشار الأمن القومي البريطاني الذي حضر المرحلة النهائية من المحادثات ليعرب عن دهشته من «التقدم الكبير نحو اتفاق نووي دائم وجوهري» بعد أن قدم الإيرانيون تنازلات كبيرة لكن نتنياهو وترامب أرادا الحرب لإسقاط النظام وهو ما برره ترامب في بدايتها «لمنح الشعب الإيراني فرصة للإطاحة بنظامه»، هذا كله بتخطيط نتنياهو الذي ظهر أمام العالم كمشعل للحرائق وكخطر وجودي على الاستقرار الدولي وهو الذي أعرب عن معارضته لوقف التدهور الاقتصادي بالاتفاق بفتح النار على لبنان وهو يؤبن حلمه الطويل وسط دهشة العالم ليخرج سانشيز عن طوره.
الحقيقة أن هذه الحرب بمثابة زلزال له تداعياته الفكرية والسياسية سنبقى نكتب عنها. لكن النهاية جاءت في وقت هو الأسوأ لنتنياهو الذي خطط للذهاب منتصراً نحو الانتخابات، لكنه يذهب بعملية أخفقت وفتحت عليه كل نيران المعارضة والكتاب والإعلام، مع مناخ عام في إسرائيل بأنه أخفق ...!