نشرت في 17 يناير 2026 11:23 ص
يدخل الفلسطينيون في الضفة الغربية عامهم الجديد في ظل واقع اقتصادي لم يعد من الممكن فصله عن المشروع السياسي الإسرائيلي الأوسع، فما يجري لم يعد مجرد انعكاس للحرب على غزة أو لتداعيات أمنية مؤقتة، بل بات أقرب إلى سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الاقتصاد الفلسطيني بما يخدم منطق السيطرة طويلة الأمد، ويحوّل الحياة اليومية إلى عبء ثقيل يفتقد الحد الأدنى من الاستقرار.
تواصل إسرائيل استخدام أموال المقاصة بوصفها أداة ضغط مركزية، بعد أن تحوّل احتجازها واقتطاعها إلى ممارسة ثابتة لا استثناء طارئاً، هذا السلوك دفع السلطة الفلسطينية إلى أزمة مالية خانقة، انعكست في عدم انتظام دفع الرواتب، وتراجع قدرة المؤسسات العامة على تقديم الخدمات الأساسية، غير أن المسألة تتجاوز بعدها المالي، إذ يجري توظيف العجز الاقتصادي لإضعاف البنية الاجتماعية، وتعميق فقدان الثقة، وخلق حالة دائمة من الهشاشة.
في الميدان، يتكامل هذا المسار مع تصعيد عسكري عنوانه المعلن «الانتشار الأمني»، فيما جوهره إعادة إنتاج سياسة تقطيع الأوصال. الانتشار الواسع للحواجز والبوابات العسكرية حوّل الضفة الغربية إلى فضاء مجزأ، تتآكل فيه حركة الأفراد والبضائع، وتُخنق التجارة الداخلية، وترتفع كلفة الإنتاج والنقل، بهذا المعنى لم تعد الجغرافيا مجرد مسرح للصراع، بل أداة اقتصادية فاعلة في إدارة الإفقار.
وتبرز أزمة العمالة بوصفها أحد أخطر تجليات هذا الخنق، استمرار منع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى سوق العمل داخل الخط الأخضر أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة، وضرب مصادر الدخل الأساسية لعشرات آلاف الأسر، ومع غياب بدائل حقيقية داخل اقتصاد محاصر، يتحول هذا المنع إلى وسيلة لإنتاج فقر واسع النطاق، لا إلى إجراء أمني محدود.
في الخلفية، يتواصل التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة اخرها مشروع المليون الذي اطلقه سموتريتش اخيرا ، وهو بكورة مشاريع الاستيطان، ليس فقط بوصفه مشروعاً استعمارياً جغرافياً، بل كأداة اقتصادية تستهدف الأرض والإنتاج معاً، مصادرة مساحات واسعة من الأراضي، ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، أدت إلى تراجع حاد في القطاع الزراعي، ما يهدد الأمن الغذائي الفلسطيني، ويدفع بالمجتمع نحو مزيد من الاعتماد والهشاشة.
ولا يقل خطورة عن ذلك التضييق الإسرائيلي على النظام المصرفي الفلسطيني، عبر عرقلة التعامل بفائض عملة الشيكل، ما يضعف قدرة البنوك على العمل بكفاءة، ويجعل الاستقرار المالي عرضة للاهتزاز، هذه السياسة تعمّق تبعية الاقتصاد الفلسطيني، وتحدّ من أي هامش للمناورة النقدية أو المالية.
في المحصلة، تشير المؤشرات الاقتصادية إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر، وانكماش واسع في الطاقة الإنتاجية، وتآكل متسارع للطبقة الوسطى، ما تشهده الضفة الغربية في عام 2026 ليس أزمة اقتصادية تقليدية، بل إعادة «هندسة» شاملة للاقتصاد الفلسطيني، ليبقى في حالة طوارئ دائمة، بلا أفق تنموي أو سيادي.
بهذا المعنى، تسعى إسرائيل إلى فرض نموذج سيطرة لا يقوم فقط على القوة العسكرية، بل على إدارة الحياة الاقتصادية بما يجعل البقاء نفسه تحدياً يومياً،إنها سياسة تهجير بطيء، صامت، تُنفّذ عبر الخنق المالي، والبطالة، وتفكيك مقومات الصمود، في محاولة لإعادة صياغة الواقع الفلسطيني بأدوات الاقتصاد بعد أن استُنفدت أدوات القوة العسكرية المباشرة نفسها .