الكاتب: باسم الزبيدي

من التفوق إلى الهيمنة؟ قراءة نقدية في فرضية «باكس جوديكا»

نشرت في 22 يونيو 2026 10:36 ص

الكاتب: باسم الزبيدي

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/431775



 

شاعت، مؤخراً، كتابات ومداخلات لكتّاب وأكاديميين وسياسيين تدور حول فرضية مفادها أن أفول الهيمنة الأميركية قد يفضي إلى صعود هيمنة إسرائيلية على الشرق الأوسط، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك. وفي هذا السياق، برز مصطلح «باكس جوديكا» للإشارة إلى تصور لنظام سياسي وأمني تتمحور فيه القوة والنفوذ حول إسرائيل، على غرار ما عُرف تاريخياً بـ»السلام الروماني» و»السلام الأميركي». غير أن هذا المصطلح لا يشكل مفهوما مستقرا أو معترفا به في أدبيات العلاقات الدولية، بل يرد أساساً في بعض الكتابات الأيديولوجية والاستشرافية التي تستند إلى ما حققته إسرائيل من تفوق عسكري وتكنولوجي وقدرات استخبارية متقدمة للقول بإمكانية تشكل نظام إقليمي تقوده. ومع أن هذه الفرضية تكتسب لدى البعض قدرا من الجاذبية في ضوء التحولات الاستراتيجية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، فإنها تثير أسئلة جوهرية حول حدود القوة الإسرائيلية وإمكانات تحويل التفوق العسكري والتكنولوجي إلى هيمنة مستقرة. هذا المقال يحاجج بأن الحديث عن «باكس جوديكا» ينطوي في كثير من الأحيان على خلط بين مستويين مختلفين: أولوية إقليمية متزايدة قد تكون إسرائيل بصدد ترسيخها بالفعل، وهيمنة إقليمية أو عالمية مكتملة الشروط. فبينما تشير تطورات السنوات الأخيرة إلى تعاظم في المكانة الإقليمية لإسرائيل، فإن جملة من القيود البنيوية تجعل الانتقال من التفوق إلى الهيمنة، ومن الأسبقية إلى الإمبراطورية، أكثر تعقيداً مما تفترضه هذه الأطروحة.
ثمة عوامل عدة عززت خلال السنوات الأخيرة موقع إسرائيل الإقليمي بصورة غير مسبوقة. ويتمثل العامل الأبرز في التراجع الكبير الذي أصاب القوى التي شكلت لعقود موازناً استراتيجياً لها في المنطقة. فمنذ العام 2023 تعرض محور المقاومة لسلسلة من الضربات العميقة شملت غزة ولبنان وسورية وإيران، ما أضعف قدرته على أداء دور القطب الإقليمي المقابل. وفي الوقت نفسه، أثبتت إسرائيل تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً نوعياً في مجالات الحرب متعددة الجبهات والدفاع الجوي والاستخبارات والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، ما منحها قدرة استثنائية على التأثير في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. كما استفادت من تحولات إقليمية أوسع تمثلت في استمرار مسار التطبيع رغم حرب غزة، واندماجها المتزايد في شبكات الأمن والطاقة والتكنولوجيا الإقليمية، إضافة إلى دعم أميركي غير مسبوق كشف مرة أخرى عن عمق التحالف الاستراتيجي بين الطرفين. وقد سمحت هذه العوامل مجتمعة بظهور ما يمكن وصفه بترتيب إقليمي جديد تتبوأ فيه إسرائيل موقعا مركزيا في معادلات الأمن والتكنولوجيا والتنسيق الاستخباري، بما يجعل الحديث عن أولوية إسرائيلية إقليمية أمراً يستند إلى معطيات واقعية أكثر مما يستند إلى مجرد تصورات أيديولوجية.
غير أن الانتقال من هذه الأسبقية الإقليمية إلى الحديث عن «باكس جوديكا» بالمعنى الإمبراطوري أو العالمي يواجه عقبات بنيوية عميقة. فالقوى التي قادت النظام الدولي تاريخياً لم تعتمد على التفوق العسكري أو التكنولوجي وحده، بل امتلكت أيضاً كتلة سكانية ضخمة وموارد اقتصادية هائلة وقدرة على إسقاط القوة عالمياً وشبكات تحالفات واسعة، والأهم من ذلك قدرة على إنتاج الشرعية. أما إسرائيل، فرغم تفوقها النوعي، تبقى دولة محدودة الحجم السكاني والجغرافي، تفتقر إلى العمق الاستراتيجي والموارد الكفيلة بتحويلها إلى قوة عالمية مستقلة. وتتجلى إحدى المفارقات الأساسية في أطروحة «باكس جوديكا» في أن الوقائع نفسها التي يُستدل بها على صعود القوة الإسرائيلية تكشف أيضاً حدودها. فإسرائيل لم تخض صراعاتها الكبرى الأخيرة بوصفها قوة مستقلة بالكامل، بل ضمن مظلة أميركية سياسية وعسكرية واستخبارية واسعة. ومن ثم فإن الحديث عن انتقال الهيمنة من «باكس أمريكانا» إلى «باكس جوديكا» يتجاهل حقيقة أن القوة الإسرائيلية لا تزال تعتمد بصورة جوهرية على الدعم الأميركي، وما يظهر في الواقع ليس بديلاً عن الهيمنة الأميركية بقدر ما هو أولوية إسرائيلية متزايدة داخل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.
وإلى جانب القيود المادية والاستراتيجية، تواجه إسرائيل معضلة أكثر عمقاً تتعلق بالشرعية. فالهيمنة، كما تشير أدبيات العلاقات الدولية، لا تقوم على الإكراه وحده، بل على القدرة على إنتاج القبول والرضا وإقناع الآخرين بأن النظام الذي تقوده القوة المهيمنة يخدم مصالحهم أو يبدو مشروعاً في نظرهم. ولهذا سعت القوى المهيمنة تاريخياً إلى إضفاء مضمون أخلاقي أو حضاري على تفوقها؛ فالرومان تحدثوا عن نشر الحضارة والنظام، والمسلمون عن الهداية وإقامة العدل عبر رسالة عالمية تتجاوز الحدود القومية والإثنية، والبريطانيون عن التجارة الحرة والانفتاح العالمي، والأميركيون عن الحرية والديمقراطية. وبصرف النظر عن مدى اتساق هذه الادعاءات مع ممارساتهم الفعلية، فقد وفرت لهم إطارا من الشرعية يتجاوز القوة المجردة. أما إسرائيل، فعلى الرغم من امتلاكها تفوقا عسكريا وتكنولوجيا واضحا فإنها تواجه صعوبة في إنتاج سردية تحظى بقبول واسع داخل الإقليم. فالتطبيع ظل في معظمه مشروعا تقوده النخب السياسية والأمنية، بينما بقيت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي متحفظة عليه أو معارضة له. ومن ثم يبدو النظام الإقليمي الجاري تشكله أقرب إلى أولوية استراتيجية تستند إلى موازين القوة والردع منه إلى «سلام إسرائيلي» بالمعنى الذي توحي به كلمة «باكس»، أي نظاما يُنظر إليه بوصفه مشروعا ومقبولا من قبل الأطراف المتعايشة معه.
وتبرز القضية الفلسطينية بوصفها العائق البنيوي الأهم أمام تحول التفوق الإسرائيلي إلى هيمنة مستقرة. فبعد أكثر من قرن من الصراع لم تنجح إسرائيل في تصفية الهوية الوطنية الفلسطينية أو إنهاء المطالب الفلسطينية بالتحرر وتقرير المصير. وعلى العكس، أعادت حرب الإبادة في غزة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي والعربي، وربطت العديد من الدول أي اندماج إقليمي كامل أو تطبيع شامل بوجود مسار سياسي حقيقي نحو حلها. وبهذا المعنى لا تبدو فلسطين عقبة عابرة في طريق مشروع الهيمنة، بل العامل الذي يحدد سقفه وحدوده التاريخية. كما أن إضعاف إيران عسكريا لا يعني إلغاءها، فالمعرفة النووية والخبرات العسكرية والشبكات الإقليمية لا تختفي بضربة عسكرية واحدة. يضاف إلى ذلك إن استمرار الصراع واستنزاف الموارد وارتفاع كلفة الحروب المتعددة الجبهات تطرح مخاطر فرط التمدد التي حذرت منها نظريات صعود القوى وانحدارها.
في المحصلة، لا شك أن إسرائيل تعيش، اليوم، لحظة أولوية إقليمية ربما تكون الأقوى في تاريخها، وأن ثمة نظاما أمنيا إقليميا يتمحور حول تفوقها العسكري والتكنولوجي وتحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة آخذ في التشكل. غير أن هذه الأسبقية تختلف عن الهيمنة بالمعنى الكامل للكلمة، لأنها تفتقر إلى عنصر الشرعية وإلى القدرة على إنتاج قبول إقليمي واسع وصلب. كما أن العالم نفسه لم يعد يتجه نحو هيمنة أحادية جديدة، بل نحو تعددية قطبية تتنافس فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند وقوى إقليمية أخرى، ما يجعل فكرة قيام إمبراطورية عالمية جديدة أقل واقعية مما كان عليه الحال في القرون السابقة. لذلك، السؤال الحاسم لا يتمثل في مقدار القوة التي تملكها إسرائيل، بل في قدرتها على تحويل هذه القوة إلى شرعية ونظام أو مشروع يمتلك مقومات الديمومة. حتى الآن تبدو الفجوة بين الأمرين أكثر بكثير مما تفترضه أطروحة «باكس جوديكا».