بقلم شادي عياد

مهلًا يا سلام فياض…

نشرت في 26 يوليو 2026 11:26 ص

بقلم شادي عياد

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/433074

مهلًا يا دكتور سلام…

ليس من حق أحد أن يمنعك من النقد، فالنقد حق، والمراجعة ضرورة وتصحيح المسار مسؤولية وطنية.

لكن من حق الشعب الفلسطيني أيضًا أن يسأل: أين كنت عندما كانت هذه المرحلة تُصنع؟

ليس مقبولًا أن يعود رجل كان في أعلى مواقع المسؤولية ليقدم نفسه اليوم وكأنه شاهد محايد على تجربة لم يكن له علاقة بها.

أنت لم تكن خارج الصورة يا دكتور سلام.

لم تكن مراقبًا يجلس بعيدًا عن المشهد.

لم تكن محللًا سياسيًا يصف أخطاء الآخرين من مقعد المتفرج.

كنت وزيرًا للمالية، ثم كنت رئيسًا للوزراء، وكنت في قلب القرار التنفيذي والسياسي في مرحلة حساسة من تاريخ السلطة الفلسطينية.

ولهذا فإن إعلانك اليوم أن السلطة بتركيبتها السياسية والهيكلية “غير قابلة للإصلاح” هو إعلان مشبوه يفرض سؤالًا لا يمكن تجاوزه:

إذا كان الخلل بهذه الخطورة، فلماذا لم نسمع هذا التشخيص عندما كنت في موقع القرار؟

لماذا تصبح الصورة واضحة بعد مغادرة المسؤولية؟

ولماذا تتحول التجربة التي كنت أحد أبرز وجوهها إلى ملف أخطاء الآخرين فقط، وكأنك لم تكن يومًا جزءًا من تفاصيلها؟

يا فياض.…

المسؤولية السياسية لا تنتهي بخروج المسؤول من مكتبه.

المنصب قد ينتهي، لكن أثر القرارات يبقى.

ومن كان في موقع القرار لا يستطيع أن يتحدث عن النتائج وكأنه لم يكن حاضرًا عندما كانت الأسباب تتشكل.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الشعب الفلسطيني لا يزال يعاني حتى اليوم من بعض حالات الجمود والتكلس داخل مؤسساته، ومن بعض الوجوه التي أصبحت عنوانًا لحالة من الترهل السياسي والإداري التي يشتكي منها الناس.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه:

كيف وصل هؤلاء إلى مواقعهم؟ وكيف تعزز حضورهم داخل المشهد الفلسطيني؟

فالكثير من الشخصيات التي تُنتقد اليوم بسبب أدائها لم تظهر فجأة، ولم تأتِ من فراغ، بل كانت جزءًا من مراحل سياسية وإدارية كنت انت يا فياض حاضرًا فيها وصانعا لها، وكنت جزءًا من منظومة القرار التي تعاملت معها، ومنحتها المساحات التي عملت من خلالها.

فلا يكفي أن نشير اليوم إلى وجود المتكلسين وأن نصف المرض، ثم ننسى أن بعض أعراضه بدأت وتكرست في مراحل كان فيها أصحاب القرار مسؤولين عن الاختيارات وإدارة المشهد.

إن المراجعة الحقيقية لا تبدأ بإدانة الآخرين فقط يا فياض.

المراجعة تبدأ بالاعتراف بنصيب الذات من المسؤولية.

يا سلام…

لقد حظيت بثقة مؤسسات السلطة الفلسطينية، وتوليت مسؤوليات كبرى وكان لديك موقع وتأثير وقدرة على الفعل والتغيير.

وكان المنتظر، إذا كنت تحمل هذه الرؤية وهذا التشخيص، أن تضعه أمام الشعب الفلسطيني عندما كنت في موقع المسؤولية، وأن تخوض معركة الإصلاح من داخل البيت الفلسطيني، لا أن تصل الرسالة أولًا عبر مجلة أمريكية.

فالشعب الفلسطيني أولى بهذه المصارحة.

والمؤسسات الوطنية أولى بهذا النقاش يا فياض.

والإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل يبدأ من الداخل.

أما التوقيت، فهو أيضًا ليس تفصيلًا عابرًا وبريئا.

ففي لحظة يعيش فيها الشعب الفلسطيني واحدة من أصعب مراحل تاريخه، وفي ظل ضغوط هائلة على قضيته ومؤسساته، يأتي خطاب يقول إن البناء السياسي كله غير قابل للإصلاح.

ومن حق الناس أن يتساءلوا: هل هذه هي اللحظة التي يحتاج فيها الفلسطينيون إلى إعلان العجز؟ أم إلى حشد كل الطاقات لإصلاح ما يمكن إصلاحه وتعزيز صمودهم؟

ثم نصل إلى مسألة الشرعية، وهنا يكون الخلاف جوهريًا.

فالشرعية الفلسطينية ليست مجرد كفاءة إدارية، وليست تقرير أداء حكومي، وليست نتيجة مؤشرات مالية أو إدارية فقط.

الشرعية الفلسطينية أكبر من ذلك بكثير يا سلام.

هي تاريخ شعب.

هي تضحيات أجيال.

هي مسيرة حركة وطنية.

هي مؤسسات وطنية دفعت أثمانًا كبيرة حتى أصبحت عنوانًا سياسيًا للشعب الفلسطيني أمام العالم.

نعم، نريد إصلاحًا.

نعم، نريد محاسبة المقصرين.

نعم، نريد مؤسسات أكثر قوة وكفاءة.

لكن فلسطين ليست شركة تبحث عن مدير تنفيذي جديد، وليست ملفًا إداريًا يُغلق بتغيير الهيكل.

فلسطين قضية شعب، وقضية حقوق وطنية، ومسيرة نضال طويلة.

يا سلام…

كان يمكن أن يكون لكلامك وزن لو بدأت من موقع مختلف.

لو قلت: “انا كنت جزءًا من هذه التجربة وأتحمل نصيبي من مسؤوليتها، وهذه رؤيتي للإصلاح.”

عندها كانت كلماتك ستُستقبل بطريقة مختلفة رغم إختلافنا معك ومعها.

أما أن تتحول من رجل كان في قلب القرار إلى قاضٍ على مرحلة كنت أحد أبرز مسؤوليها، فهذا يفتح بابًا مشروعًا من الأسئلة.

وفي النهاية، نقولها بوضوح:

إن تمسكنا بشرعيتنا الوطنية ليس موقفًا عابرًا، بل هو تمسك بتاريخ شعبنا، ومؤسساته، ونضاله، وكل ما دفعه الفلسطينيون من تضحيات من أجل الحفاظ على عنوانهم السياسي.

نحن نؤمن أن الإصلاح يكون بتقوية البيت الفلسطيني، لا بإضعافه، وبمعالجة الأخطاء من داخله، لا بتقديم صورة توحي بأن كل شيء فقد قيمته ومعناه.

ونجدد ثقتنا بالسيد الرئيس محمود عباس، وبقدرته على قيادة شعبنا في هذه المرحلة الصعبة، والعمل على إخراجنا من هذا النفق المظلم الذي تعيشه فلسطين اليوم، بما يملكه من خبرة سياسية طويلة ومسؤولية وطنية في هذه الظروف الدقيقة.

وقد يختلف البعض مع هذا التقييم وهذا حق مشروع، لكن من حقنا أيضًا أن نقول إننا كنا نرى سلام فياض جزءًا من أسباب الأزمة التي نعيش آثارها اليوم، لا لأنه كان المسؤول الوحيد عنها، بل لأنه كان حاضرًا في مرحلة مفصلية، وكان في موقع يتيح له التأثير وصناعة الفرق.

فالإنصاف السياسي يقتضي أن يتحمل كل من كان في موقع القرار نصيبه من المسؤولية.

وفلسطين اليوم لا تحتاج إلى من يكتب شهادة على الآخرين فقط…

بل تحتاج إلى من يملك شجاعة أن يكتب شهادته على نفسه أولًا.