نشرت في 20 أبريل 2026 11:25 ص
https://khbrpress.ps/post/429313
بعد أن احتفلت دولة الاحتلال بالدم والدمار، الذي طال كل لبنان بما في ذلك العاصمة بيروت، انطلاقاً من تراجع رئيس أميركا دونالد ترامب، عن أن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان، عاد ترامب إلى وعيه، وطلب أو أنه أمر دولة الاحتلال بأن تتوقف عن القصف لمدة 10 أيام، منذ البداية أصرّ الإيرانيون على ما اعتبروه شرطاً من عدّة شروط، بأن اتفاق وقف إطلاق النار يشمل لبنان، الأمر الذي أكده الوسيط الإيراني، وأكدت عليه عديد الدول الأوروبية.
غير أن ترامب الذي كان وافق على أن النقاط العشر الإيرانية تشكل أساساً جيّداً للمفاوضات، تراجع عن هذا البند، تحت ضغط وابتزاز من قبل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو واللوبي الصهيوني، وفي ظنّه أن إيران ستتراجع تحت ضغط الحاجة لاتفاق يضمن مصالحها الخاصة.
المفاوضات لم تتوقف رغم فشل الجلسة الأولى التي استغرقت 21 ساعة، بحسب نائب الرئيس الأميركي فانس، لكنها تواصلت بكثافة وظهر من خلالها أن موضوع لبنان قد يتسبب من بين قضايا أخرى في إفشال المفاوضات التي يرغب ترامب في أن تؤدي إلى وقف الحرب بما يمكن الحصول عليه من مؤشّرات تدعم خطابه الانتصاري.
الحرب لم تتوقّف عملياً، فهي تستمر عَبر مفاوضات متزامنة مع إعلان ترامب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وعَبر استمرارها وتصاعدها على الجبهة اللبنانية، مع ما يلوح في الأفق من إمكانية إغلاق باب المندب، ما سيعمّق الأزمة المتعلقة بالطاقة وسلاسل الإمداد.
هنا يبدو أن ترامب وجد نفسه أمام خيارات صعبة، فإمّا المصلحة الأميركية، وإما استمرار الخضوع للابتزاز الإسرائيلي، ومجاراة نتنياهو الذي يسعى إلى حروب لا نهاية لها.
فجأة ومن دون سابق إنذار، يقرر ترامب أن لبنان جزء من اتفاق وقف إطلاق النار، ويفاجئ نتنياهو بضرورة التوقف فوراً، عن مواصلة القصف لمدة 10 أيام، مبرراً ذلك بأنه سيحقق السلام للمرة التاسعة أو العاشرة، من خلال مفاوضات إسرائيلية لبنانية بإشراف أميركي.
ابتلع نتنياهو الموس، ولم يعد قادراً على الرفض أو مواصلة الابتزاز، وامتنع عن أن يطرح الأمر على «الكابينت» للتصويت، فما أمر به ترامب هو الخيار صفر.
جاء أمر الأخير بالتوقف بينما كانت جبهة بنت جبيل محتدمة، تصرّ قوات الغزو الإسرائيلية على حسمها، والاستعجال في التقدم البرّي حتى نهر الليطاني ما يعني فشلاً إسرائيلياً في تحقيق الحدّ الأدنى من الأهداف التي يعلنها نتنياهو صباح مساء.
لم ينجح جيش الاحتلال لا في تدمير قدرات المقاومة اللبنانية الأرضية والصاروخية، ولا في حسم معركة بنت جبيل، أو التمدّد على كامل الجنوب اللبناني حتى الليطاني، رغم أنه أحرز بعض التقدّم.
هكذا بدا أن نتنياهو فاقد القدرة على اتخاذ القرار، وأنه لا يستطيع وما كان له أن يستطيع فعل كل ما فعله، دون غطاء ومشاركة ودعم أميركي.
رغماً عن ترامب ونتنياهو، وادّعاءات الحكومة اللبنانية يضطرّ الجميع للاعتراف واقعياً، بربط الملفّ اللبناني بالملفّ الإيراني واقعاً ومصيراً.
من المؤكّد أن خضوع نتنياهو لقرار ترامب لا يعني بأي حال قبول الالتزام، وبأنه سيجد طريقة ما، لتجاوز ذلك القرار.
وجاء استهداف قوات «اليونيفيل» حيث قتل جندي فرنسي وأصيب ثلاثة آخرون، واتهام «حزب الله» بالمسؤولية.
لكن كل الذين يتهمون الحزب، اتهموه، من دون تحقق أو تحقيق، وطالبوا الحكومة اللبنانية بمعاقبة من قاموا بذلك الاعتداء المشبوه.
لا يريد هؤلاء أن يستمعوا أو يصدقوا رفض الحزب للتهمة، خصوصاً أنه ليس صاحب مصلحة في وقوع هذا الاعتداء.
ومع ذلك، فإن هذا الاعتداء، لا يكفي لنتنياهو لكي يمارس خرق اتفاق الهدنة، بعد أن أعلنت الحكومة اللبنانية التزامها بالتحقيق وملاحقة المتهمين.
يبدو أن الأمر لن ينتهي إلى نتيجة، حتى لو أن التحقيقات اللبنانية الرسمية، جاءت في غير صالح اتهام الحزب، فهي أقرب إلى الحرص على مواصلة حشر الأخير في الزاوية، واتهامه بعرقلة جهودها السلمية لاستعادة السيادة، والحصول على الدعم الدولي.
ومرّة أخرى يقع ترامب، في سوء حساباته، ونواياه وتقلباته العقلية حين يعلن مواصلة الحصار التام للموانئ الإيرانية، بعد أن أعلنت إيران فتح مضيق هرمز خلال فترة الهدنة، ووفق ضوابط تمنع دخول السفن الحربية والسفن المعادية.
الخطوة الإيرانية بالإعلان عن فتح المضيق، كان يفترض أن تقابل بفكّ الحصار عن حركة السفن الإيرانية، والسفن الصديقة، الأمر الذي قوبل بارتياح واسع، على المستوى الدولي والخليجي، حيث تراجعت أسعار النفط لبضع ساعات، قبل أن تعود إيران عن قرارها، وتواصل فرض إغلاق المضيق وفق ضوابط أعلنتها، وتؤكّد سيطرتها على المضيق.
هكذا ألقت إيران كرة النار في حضن ترامب، المتهم بإفساد المفاوضات، وإفساد عملية فتح المضيق أمام حركة السفن التجارية.
كالعادة يناقض ترامب نفسه في ذات الوقت حيث يؤكد أن المفاوضات جيدة، وأنها تقترب من تحقيق اتفاق، بينما يهدد بعودة الحرب، وعودة حاملة الطائرات جيرالد فورد إلى منطقة الشرق الأوسط.
لا ضرورة للخوض في طبيعة الإنجازات والتوافقات التي تحققت حتى الآن من خلال المفاوضات، التي يتوسّط فيها الجانب الباكستاني، فطالما أن ترامب يمارس تقلّبه، ويواصل تهديداته، وبينما يتحيّن نتنياهو الفرص لتخريب أي اتفاق، فإن الأيام القليلة المقبلة حتى نهاية الهدنة، ستكشف عمّا إذا كانت الأوضاع تتجه نحو مزيد من التصعيد أم إنها ستستقرّ على هدوء نسبي.
وفي كل الأحوال فإن المنطقة برمّتها ستظلّ تعيش أجواء الحرب، فإن هدأت في جبهة، فإن نتنياهو سيبادر إلى إشعالها في جبهة أخرى، فيما تظلّ الضفة الغربية وقطاع غزة، مرشّحين لدوام واقع الصراع المرير.