نشرت في 13 مايو 2026 11:00 ص
https://khbrpress.ps/post/430232
قالت والدتي: «كان عمرك تسعة شهور عندما انتزعتك بسرعة وأنا أسمع صوت زخات الرصاص بالقرب من بيتنا، وضعتك فوق كومة الفراش على ظهر حمار جدك، كان هذا الحمار هو وسيلة مواصلاتنا الوحيدة إلى حقولنا، كان حمار جدك ينقل منتجاتنا من الحبوب والثمار إلى سوق المجدل، ويافا، كنتَ يا ولدي تنظر إلى السماء لأن صوت الطائرة كان يستولي على آذاننا، كنا نظن أن الطائرة توشك أن تُسقِط قنبلة فوق رؤوسنا، كل سكان قريتنا يتحدثون عن مجزرة دير ياسين، لا حديث سوى أخبار المجزرة والقتل والتهجير، حملتك بسرعة لأبعدك عن صوت الرصاص وصوت الطائرة، لم أكن أعلم أن صوت الطائرة خارج الغرفة كان أعلى من صوتها في الغرفة، كان جدك مُصراً على البقاء في غرفته، حاول والدك أن يحمله بقوة، ولكن جدك أصر على البقاء في غرفته، كان جدك أول الشهداء في قريتنا».
أعاد لي صوت أمي المسجل في شريط قديم ذكرى يوم النكبة 15-5-1948، هذه الذكرى، لم تكن ذكرى أليمة فقط، بل كانت كارثة وطنية فلسطينية كبرى!
عندما قرأتُ التاريخ وجدت أن هذا اليوم لم يكن يوماً محسوباً بالساعات، بل كان يقع ضمن مؤامرة كبيرة على وطننا، اعتدنا في كل عام أن ننكأ الجراح، ونمارس طقوسنا في هذا اليوم، وأول الطقوس هو طقس التسميات، هل ما حدث في هذا التاريخ كان كارثة أم نكبة، أم هو كارثة ونكبة في الوقت نفسه؟
اعتدت في كل عام أن أبحث في صفحات الكتب عن تاريخنا الفلسطيني، وعن طريقة احتفال الصهاينة المحتلين بهذا اليوم، كيف يُحيون يوم 14-5-1948 بمسيرات واحتفالات وبث أشرطة رقمية، كيف يُعيدون صياغة هذا اليوم باعتباره يوم بطولة، نحن نحزن لهذه الكارثة الكبرى، للأسف، ستظل روايتنا عن التشريد والتهجير مكررة ومنقوصة، لأننا لم نُحسن تسخير الفنون بمختلف أقسامها وتعزيز الثقافة وبرامج التربية والتعليم لنقل حقيقة المأساة، بصورة تُرغِّب الأجيالَ في فهم حقيقة ما جرى!
اقتبست من صحيفة، «جروسالم بوست» بعض الجمل من مقال مارك ليفنسون يوم 11-5-2026، هذا الكاتب هو رئيس الحركة الصهيونية الأميركية، كتب المقال بمناسبة ذكرى تأسيس إسرائيل، ودور أميركا في هذا التأسيس، وهو يقارن بين تلك الذكرى، وبين ما يجري اليوم من أحداث بين إسرائيل وإيران، جاء في المقال: «تذكروا، أعلن، بن غوريون في الساعة السادسة مساء يوم 14-5-1948 قيام دولة إسرائيل، بعد إحدى عشرة دقيقة فقط، اعترف، هنري ترومان الرئيس الأميركي بدولة إسرائيل، كان هو أول المعترفين بدولتنا، إن هذا الحدث يمثل الشراكة بين دولة أميركا واليهود أصدق تمثيل، سيشارك في هذه السنة أكثر من مائة ألف من المحتفلين في مدينة نيويورك لتخليد هذه الذكرى بين الدولتين، لعبت أميركا دوراً محورياً في بناء إسرائيل، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، ففي مؤتمر، بالتيمور في نيويورك عام 1942 جرى إقرار تأسيس دولة يهودية في فلسطين في زمن الانتداب البريطاني، اعترف الرئيس ترومان بدولة إسرائيل بعد ست سنوات من مؤتمر بالتيمور»!
لم أكن أعرف سرَّ اعتراف أميركا السريع بإسرائيل، بعد إحدى عشرة دقيقة إلا بعد أن قرأت تاريخ الحدث، فقد كان، إدوارد (إيدي) جاكوبسون المتوفى عام 1955 هو بطل هذا الاعتراف السريع، هذا الصهيوني الليتواني المولود لأبوين يهوديين، كان أقرب المقربين من الرئيس هنري ترومان المسيحاني الصهيوني، كان صديقه الحميم في مرحلة الدراسة ومرحلة الشباب، حتى أن الاثنين افتتحا بالشراكة محلاً لبيع الكرفتات والقبعات والأحزمة في مدينة كانساس سيتي، كما أن إيدي جاكوبسون كان تلميذاً مُطيعاً لفرانك غولدمان زعيم جمعية، بني بيرث، اليهودية المؤثرة في السياسيين الأميركيين!
نقلت الروايات التاريخية أنَّ جاكوبسون، كان أول من عَلِمَ بإعلان دولة إسرائيل، طلب منه، بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل أن يحصل على اعتراف سريع بدولة إسرائيل، فأسرع إلى الرئيس ترومان في المكتب البيضاوي دون موعدٍ مسبق، وأقنعه بضرورة الاعتراف بدولة إسرائيل فوراً، على الرغم من أن، جورج مارشال وزير خارجية أميركا في ذلك الوقت كان يعارض إقامة دولة يهودية، رفض عدة مرات مقابلة، حاييم وايزمان رئيس الجالية اليهودية، كان، جورج مارشال يسعى لتحقيق الاعتراف بحل الدولتين، أي قرار التقسيم، أي أنه كان أول الذين اعترفوا بحل الدولتين، إحداهما (عربية) والثانية يهودية!
لاحظتُ أثناء متابعتي للتاريخ أن هناك إغفالاً مقصوداً في معظم الصفحات الرقمية لقرارات الكتاب الأبيض عام 1939، مع العلم أن الكتاب الأبيض وثيقة سياسية أصدرتها الحكومة البريطانية، برئاسة، نيفيل تشامبرلين، بعد موافقة مجلس العموم البريطاني، بخاصة القرارات المتعلقة بهجرة اليهود إلى فلسطين، وكيف أن بريطانيا كانت تغض الطرف عن هجرة أعداد كبيرة من اليهود، ما أدى إلى ثورة الفلسطينيين ضد البريطانيين عام 1936، ومن أبرز تلك القرارات الواردة في الكتاب الأبيض: «يسمح بالهجرة اليهودية لفلسطين إلى أن يصبح عدد اليهود ثلث السكان الفلسطينيين فقط، يسمح بإدخال 75 ألف يهودي على مدى خمس سنوات، ثم تتوقف بعدها الهجرة نهائياً ما لم يوافق عرب فلسطين على غير ذلك، إن حكومة جلالة الملك مصممة على منع الهجرة غير الشرعية، وسوف يخصم عدد كل مهاجر غير شرعي يتمكن من دخول البلاد، من الكوتا المقررة»!
إن كثيراً من الصفحات الرقمية بها سُمٌّ كثير ودَسَمٌ قليل، بخاصة في سرد تاريخ النكبة الفلسطينية، إليكم بعض الاقتباسات من هذه الصفحات.
سأبدأ أولا بموسوعة الويكيبيديا المشهورة لأنها هي الأكثر طلباً وشهرة، جاء فيها: «عقب انتهاء الانتداب البريطاني لفلسطين (نشبت الحرب) على أرض فلسطين، بين كل من المملكة الأردنية، والمملكة المصرية، والعراق، وسورية، ولبنان، والمملكة العربية السعودية ضد الميليشيات الصهيونية المسلحة، المكونة من البالماح وليحي وشتيرن والهاغاناه، أودت الحرب بحياة آلاف الجنود من الطرفين، انتهت بهزيمة العرب، فأطلقوا عليها اسم النكبة، سيطرت إسرائيل على المنطقة التي اقترحتها الأمم المتحدة للدولة اليهودية، بالإضافة إلى 60 % من مساحة الدولة العربية، وسيطرت على الضفة الغربية»!
هكذا صورت الويكيبيديا أن هناك طرفين للحرب: طرفاً مكوناً من ست دول عربية في مقابل ميليشيات إسرائيلية صغيرة، وأن الانتصار الأخير كان من نصيب الميليشيات، لم تذكر الموسوعة سبب نشوب هذه الحرب، كما أنها منحت إسرائيل مبرراً شرعياً دولياً مقبولاً للقارئين وهو: «استولت إسرائيل على المنطقة التي منحتها الأمم المتحدة لإسرائيل»!
أما موسوعة، بريتانيكا الرقمية فقد وضعت التعريف الآتي: «بدأت الحرب بين (العرب) واليهود يوم 15-5-1949 وانتهت 20-7-1949، أسمت إسرائيل هذه الحرب، حرب الاستقلال، لأنها حررت البلاد وانتصرت على الأعداء، أما بالنسبة للعرب فهي نكبة، نظراً للتهجير الجماعي للفلسطينيين، تصاعدت الهجمات بسبب سعي العرب لتوسيع سيطرتهم على فلسطين، ومنع قيام دولة يهودية، على أرض (زعموا) ملكيتها»!
دست هذه الموسوعة سطراً حين أشارت إلى أن سبب الحرب يعود لسعي العرب لمنع قيام الدولة اليهودية، دون توضيح لأسباب هذه الحرب.
أما صفحة البي بي سي العربية فقد كتبت النص الآتي: «عمد المهاجرون اليهود لشراء مساحات كبيرة من الأراضي من صغار المزارعين ومن النخب العربية، ولكن تدريجياً تأججت المشاعر ضد هؤلاء اليهود المهاجرين المستوطنين في مزارعهم التي أصبحت ملكاً لهم، قامت قوات عربية (بغزو) المنطقة ما أدى إلى طرد الفلاحين الفلسطينيين، خلال الشهور التي سبقت تأسيس إسرائيل، هاجمت ميليشيات (عربية) مستوطنات يهودية وقاموا بعزلها»!
هكذا أصبحت القوات العربية التي دخلت فلسطين لحماية الفلسطينيين من المجازر، أصبحت عند البي بي سي قواتٍ (غازية)، كذلك فإن هذه الوكالة البريطانية عززت شائعة شراء اليهود لأراضي فلسطين بمساحات كبيرة!
أما الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، فقد نشرت مدلولات اسم (النكبة) ولكنها ذكرت موضوعاً هامشياً آخر وهو: « ولَّدت النكبةُ أدباً سياسياً، حاول منتجوه معرفة السبل الكفيلة (بتجاوزها)، برزت مقارنات نقدية رأت في النكبة نتيجة منطقية ومتوقعة للتخلف العربي»!
حاولت فهم السطر الأول السابق، ولكنني لم أفهم مدلول ولادة الأدب السياسي، ولا كيفية محاولة رواد الأدب السياسي أن يتجاوزوا النكبة، هل حولوها إلى انتصار، أم أنهم تجاوزوا النكبة والانتصار معاً؟!
اعتدتُ أن أبحث في روايتنا عن هذه الكارثة، اقتبست من صفحة فلسطينية باسم، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعض الجمل، فوجدتها تختار للنكبة اسماً جديداً، هو مَظْلَمَة: «يحيي ملايين الفلسطينيين حول العالم ذكرى النكبة التي أسفرت عن تشريد 750 ألف فلسطيني من بيوتهم، لا تزال هذه الذكرى (مَظلمة فلسطينية)»!