نشرت في 10 أبريل 2026 11:43 ص
https://khbrpress.ps/post/428923
لم تكن جريمة الحرب التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب اللبناني أول من أمس والتي راح ضحيتها أكثر من مائتين وخمسين شهيداً وأكثر من ألف مصاب إلا تعبيراً عن غضب وحنق وإحباط قادة دولة الاحتلال وليس مستبعداً أن يتحرك القضاء الدولي على خلفية هذه المجزرة بالتحديد لملاحقتهم بتهمة ارتكاب جريمة الحرب، التي جاءت مباشرة بعد الإعلان الأميركي عن وقف إطلاق النار مع إيران تمهيداً لإجراء المفاوضات خلال أسبوعين لوقف الحرب الدائرة منذ عامين ونصف في الشرق الأوسط.
ما نقوله عن حنق مجرمي الحرب الإسرائيليين ليس مجازاً ولا مبالغة، فقد كان رد الفعل داخل إسرائيل شديداً حيث تدافعت المعارضة للتنديد بنتنياهو، الذي كذب كثيراً بقيادته إسرائيل إلى حرب خاسرة بالنتيجة لأنها لم تحقق أياً من الأهداف التي شنت من أجلها ولم يكن وقف إطلاق النار والإعلان عن المفاوضات من أجل وقف الحرب قد أخرج إسرائيل من طاولة التفاوض وحسب بل إنه جاء بالضد مما أراده نتنياهو وحاول بكل قوته منعه حتى اللحظة الأخيرة.
وفي تسريبات الإعلام الأميركي اتضح أن الرئيس دونالد ترامب تعرض ما قبل انتهاء المهلة بساعتين لضغوط بالاتجاهين: اتجاه يقوده نتنياهو وآخرون خارج وداخل أميركا باتجاه مواصلة الحرب وعدم الموافقة على وقف إطلاق النار واتجاه مضاد قاده نائب الرئيس جي دي فانس وستيف ويتكوف وكان مع وقف إطلاق النار. وتتضح هنا مصلحة كل من نتنياهو وفانس الشخصية المتناقضة، فنتنياهو قاد حرباً إقليمية من أجل البقاء في الحكم وفانس مع وقف الحرب بعد انعكاساتها وتأثيراتها على الداخل الأميركي ليبقي على حظوظه بأن يكون الرئيس بعد العام 2028.
من المتوقع منذ الآن أن ينتقل اهتمام المحللين السياسيين والمتابعين من التفاصيل اليومية للمواجهة العسكرية لمتابعة ما يخص الفصل التفاوضي وما انتهت إليه الحرب في فصلها الأخير على الأقل، هذا على الرغم من أن وقف إطلاق النار بل صيغة المرحلة الأولى التي نص عليها الاتفاق لا تعني وقفاً رسمياً للحرب لكنها تعني وقفها فعلياً وإن كانت إسرائيل بلسان نتنياهو أعلنت موافقتها على إعلان ترامب وقف إطلاق النار فقد تنصلت من مضمونه كما هي عادتها، لكن مواصلة إسرائيل للحرب لن تغير من نتائجها التي انتهت إليها حتى الآن والتي أقل ما يقال فيها إنها لم تغير المعادلات الجيوسياسة في الشرق الأوسط وحسب بل غيرت معادلة النظام العالمي بأسره ولا نبالغ إن قلنا إنها كانت «حرباً عالمية» مصغرة، بالنظر أولاً إلى أن إيران تصدّت عسكرياً لأقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط ولأعتى قوة عسكرية في العالم معاً وسوياً ولأن الحرب أدخلت الجانب الاقتصادي فيها وهو شكل الصراع العالمي ولأن ترامب تحديداً حاول أن يزج بالناتو والدول الأوروبية وحتى دول الشرق الأوسط لتخوض الحرب معه وهذا يؤكد تماماً أن الحرب لم تكن حرباً إيرانية إسرائيلية على النفوذ في الشرق الأوسط وحسب.
ولأن الحرب تقاس بنتائجها فإن كل ما قيل خلالها قد ينسى تماماً أو يتحول إلى مادة للتندر، من قبيل ما ادعاه قائدا العدوان ترامب ونتنياهو من تحقيق الانتصار منذ اليوم الأول وتدمير 90 أو 95% من القوة العسكرية ومن الاقتصاد الإيراني ومن تدمير النظام باغتيال قادته والأهم تلك التهديدات التي صارت عصبية ومقيتة في الأيام الأخيرة لحرب الأربعين يوماً التي أطلقها ترامب من قبيل استسلام إيران التام وبلا شروط إلى مسحها من على الخريطة إلى سحق حضارة كاملة في ليلة واحدة والتهديد باحتلال خرج بكل سهولة وذلك بهدف صريح وهو الحصول على نفط إيران وسرقة اليورانيوم المخصب.
ليس من المفيد إعادة وتكرار ما أعلنه نتنياهو وترامب قبل أربعين يوماً من إطلاقها ولا حتى البحث فيما تحقق من تدمير، لأن الجانب الأميركي في معرض تقديمه لموافقته على وقف إطلاق النار ادعى أنه حقق هدفه في منع إيران من امتلاك السلاح النووي ودمر قوتها البالستية وأضعف حلفاءها ومن الطبيعي أن إيران تعرضت للضرر فيما يخص قوتها الصاروخية، لكن أميركا وإسرائيل أيضاً استنفدتا ما لديهما من مخزون صاروخي ومن ذخائر وكلا الطرفين تعرض لخسائر اقتصادية هائلة.
لكن النتيجة تقول إن إيران لم تحقق الصمود وحسب، أي أنها لم تحافظ على نظامها الذي يبقي على دولتها خارج التبعية الأميركية التي أرادها ترامب على الطريقة الفنزويلية لإحكام قبضته على النفط العالمي وقطع الطريق على نظام عالمي تقوده الصين وروسيا وإيران عملياً بعد السادس من نيسان، بل إنها بمقارعتها العسكرية لأميركا ومعها إسرائيل حققت نتيجة تمس جوهر النظام الإقليمي في الشرق الأوسط ونتيجة أخرى تمس جوهر النظام العالمي ويقيناً بأن الوقت لن يطول حتى يذهب الشرق الأوسط إلى ترتيبات جديدة ستكون بمثابة الكابوس بالنسبة لإسرائيل وعلى وجه الخصوص ليمينها الفاشي الذي أطلق العنان لحلمه بإسرائيل الكبرى، كما لن يطول الوقت ليذهب العالم بأسره إلى نظام عالمي جديد لن تكون فيه الولايات المتحدة لا القائد ولا المتحكم بل ولا القوة العسكرية والاقتصادية الأولى في العالم.
وتكفي للدلالة على ذلك الإشارة إلى أن وقف إطلاق النار قد أكد سيادة إيران على مضيق هرمز، هذا المضيق الذي لعب الدور الحاسم في وجهة الحرب وانتقل بإيران من موقع الصمود بالدفاع إلى حالة الهجوم وفرض وقف الحرب، بعد أن تبين لترامب استحالة كسر قبضة إيران المتحكمة بالمضيق لا من خلال الدفع بالسفن والبواخر إلى المرور من المضيق عنوة لجعل إيران تدخل حالة حرب مع دول تلك السفن ولا من خلال الزج بالناتو أو الدول التي تضررت من إغلاق المضيق من اليابان وكوريا وحتى الصين إلى أوروبا مروراً بدول الخليج للتصدي لمواجهة إيران عسكرياً إلى التهديد باحتلال خرج إلى آخر التهديدات بضرب مراكز الطاقة، حيث تبين أن في جعبة إيران ليس فقط الصواريخ والمسيرات بل إدارة ماهرة للحرب وللتفاوض أيضاً وقد تبين أنها حضّرت نفسها جيداً لهذه الحرب.
خرجت إيران بالسيطرة على مضيق هرمز ومع التقدير بأن التالي هو أحد أمرين: إما توقف الحرب أو على الأقل انسحاب أميركا منها وبقاء إسرائيل فإن ذلك يعني أن إسرائيل مهزومة لا محالة، فهي وحدها لم يكن بمقدورها أن تنتصر على غزة ولا على لبنان وإما أن تتواصل المفاوضات بشكل جدي حيث إن إيران ستخوضها مرتاحة وقوية وإذا كانت في السابق تفاوض بورقة تخصيب اليورانيوم مقابل العقوبات، فإنها اليوم بعد أن فتحت الباب لدخل سنوي يعادل نصف إنتاجها النفطي من هرمز ستفاوض من أجل مزيد من الإنجازات وستبقي عينها على إسرائيل وعلى من اتخذ موقف العداء منها من دول الخليج وهكذا فإن إيران بقيت الطرف الخصم والمضاد لإسرائيل في الشرق الأوسط إن لم تكن قد صارت اللاعب الأهم فيه، خاصة إذا ما تأكد خروج أميركا من هذا الملعب وهذا سيتحدد في حال بدأ الحديث عن ضرورة إخراج قواعدها العسكرية في المنطقة.
أما النتيجة الأخرى للحرب والتي ستحدد مستقبل النظام العالمي الأميركي إلى حد كبير فهي ما حدث من تصدع للناتو وهو التحالف العسكري الغربي الأميركي الأوروبي، الذي نشأ في ظل الحرب الباردة وترامب أعلن بوضوح في اللحظة التي أعلن فيها وقف إطلاق النار أنه سينسحب من الناتو وهذا يعني فض الشراكة الأميركية الأوروبية، بعد أن تبين للأوروبيين أن أميركا لا تفكر إلا بنفسها وهي سبق لها أن فرضت تعرفات جمركية عليها وسبق لترامب أن هدد باحتلال غرينلاند وهو ذهب للحرب على إيران دون التنسيق معها وقد وصل الافتراق لنقطة اللاعودة، بالنظر إلى أن فرنسا شاركت الصين وروسيا في استخدام الفيتو ضد مشروع قرار مجلس الأمن ضد إيران ولمنع كل من إسبانيا وبريطانيا وحتى ألمانيا أميركا من استخدام قواعدها في الحرب.