بقلم عبدالمجيد سويلم

والآن ماذا عن الشرق الأوسط الجديد ؟

نشرت في 15 يونيو 2026 11:11 ص

بقلم عبدالمجيد سويلم

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/431516



 

 
دعونا، قبل الحديث عن الشرق الأوسط القديم والجديد، أو الشرق الأوسط الحديث والمستحدث، نحدد، بقدر ما يتوفر من حقائق ومعطيات ومن وقائع ومؤشرات مسار ووجهة هذا الإقليم، بعد أن تم التوقيع على ورقة التفاهم.
وإذا تم بالفعل، يكون إقليم الشرق الأوسط قد دخل في مرحلة جديدة لا تشبه ولا تنتمي لأي مرحلة سبقتها، بالرغم من أن فترة الستين يوماً المحددة بورقة التفاهم كمرحلة انتقالية للتفاوض على تفاصيل الاتفاق الشامل والنهائي، ما زالت «ملغومة»، وما زالت ليس فقط قابلة للتغيير، وإنما ما زالت غير آمنة، وربما مفتوحة على درجات لا يجوز الاستهانة بقابليتها على الارتداد.
لكن التوقيع على ورقة التفاهم بحد ذاته يكون، على الأغلب، قد حدد مسار هذا الإقليم، وتكون إيران وحلفاؤها قد ربحوا معركة الصمود، ويكونون قد ربحوا هذه الحرب في وجهتها الرئيسة، وفي نتيجتها الشاملة، وتكون الولايات المتحدة، بالمقابل، قد خسرت هذه الحرب، ويكون عليها أن تدفع من لحمها الحي القدر الذي غامرت به، والحسابات المغلوطة التي غامرت بها، ويكون مطلوباً من حلفائها دفع الثمن بقدر ما ساهموا في هذه الحرب، كل من جانبه وكل حسب أهدافه، وكل حسب مراهناته وتعويله عليها، وحسب اعتباراته التي حددت دوره فيها.
ومهما يكن من أمر، فإن التوقيع على ورقة التفاهم، بصرف النظر مؤقتاً عن الألغام والعقبات والعثرات والتعثرات المتصورة أو المتوقعة، يضع الولايات المتحدة أمام واقع جديد، وأمام خسارة بلا عودة، على ثلاثة محاور رئيسة على الأقل.
والمحور الأول هو محور معادلة القوة ونظام الهيمنة. أثبتت هذه الحرب، منذ السابع من أكتوبر 2023 على الأقل، وكانت مؤشراته الكبرى قد ظهرت جلية في حرب أوكرانيا، وفي العراق وأفغانستان، بأن القوة كأساس أول ووحيد، أحياناً، لفرض هيمنة الولايات المتحدة الاقتصادية والتجارية على مقدرات العالم، وثرواته وبحوره وممراته وشعوبه ودوله ومنظوماته ومنظماته، والتحكم السياسي بعلاقاته وأنظمته وحدود حرياته وهامش الحركة لديه، قد كُسرت في هذه الحرب، ليس كمؤشرات، وإنما كواقع وكموازين ومعادلات شاملة، وعلى كل المستويات.
اختلت للمرة الأولى معادلة القوة والهيمنة، ولم تعد القوة العسكرية قادرة على تأمين القدر المطلوب من الهيمنة.

ماذا يعني كسر المعادلة؟
دون الدخول في سجالات نظرية أو أكاديمية، فإن كسر هذه المعادلة أصبح يعني أن الولايات المتحدة أصبح لزاماً عليها، إذا أرادت أن تحافظ على مكانتها، أن تعتمد على القدرات الأخرى التي يمكن أن تكون لديها، وخصوصاً الاقتصادية والتجارية، وأن يكون لديها ما يكفي من الكفاءة والتفوق بالمنافسة القائمة على تكنولوجيات العصر في كل المجالات العلمية والمعرفية، والاعتماد أكثر فأكثر على القدرات التنافسية لديها، وإحلالها شيئاً فشيئاً في مكان القوة العسكرية.
والسبب الذي بات يملي عليها هذا الإحلال المتدرج، هو أن أي محاولة للعودة إلى منطق القوة في فرض الهيمنة ليس لديه فرصة حقيقية في الداخل الأميركي، وليس لديه فرصة مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وليس لديه فرصة حقيقية بالمنافسة مع روسيا والصين.
المحور الثاني أن الولايات المتحدة فقدت وللمرة الأولى، بصورة نهائية وقاطعة القدرة على الحسم في مجال «القوة الناعمة»، باتت الولايات المتحدة، وفي مرحلتها  الترامبية على وجه الخصوص، محدودة التأثير السياسي، كما كانت عليه مباشرة بعد ربح الحرب الباردة، وقبلها طبعاً.
وأصبحت دولة تعاني من انفضاض الحلفاء حولها، وتعززت لديها مؤشرات العزلة، وبدأت تدخل في دهاليز من الاغتراب التي لم تدخلها طوال عقود، وفقدت أدواتها الفاعلة في قوة الإلهام، ولم تعد «عدة النصب» التي كانت تستخدمها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، وغيرها من الحقوق والحريات، مقنعة لأحد، ولم يعد يصدق الولايات المتحدة أقرب المقربين منها.
وحصل، على هذا الصعيد بالذات، انقلاب مروع أطاح، في واقع الأمر، بالإمبراطورية الأميركية، من الزاوية الإنسانية والأخلاقية، وتحولت إمبراطورية، النموذج الأميركي، لعلامة فارقة في العنف والتسلط والبلطجة واللصوصية المفضوحة، والخروج على كل معهود سياسي أو دبلوماسي، بل التنصل من كل معهود، ومن كل الأعراف والقوانين التي كانت تحكم إلى هذه الدرجة أو تلك، الحدود الدنيا من الأخلاقيات الدولية.
وتحولت الولايات المتحدة الآن إلى «مكرهة» سياسية لا يشُتم منها سوى رائحة العنصرية والاستعلاء والتجبر والكراهية والاستهانة بكرامة الشعوب وثقافتها الوطنية، ناهيكم عن النظرة التي تنظر بها الولايات المتحدة لمقدرات هذه الشعوب ومصالحها كعقارات وجب الاستيلاء عليها، كلما سنحت الفرصة.
المحور الثالث، كشفت الحرب التي دارت في كل الشرق الأوسط على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، أو ما يقل عنها بأشهر، أن الولايات المتحدة ضعفت ووهنت على مستوى بنية الدولة، وعلى مستوى درجة تماس كالمجتمع، وعلى مستوى «القيم والمنظومات الوطنية»، وسواء على الصعيد النظري والثقافي، قد صحت أم لا الأطروحات التي بدأت تجاهر أو تطل برأسها من أوساط عريقة ومعترف فيها، وبالحصافة والرزانة في مجال العلوم الاجتماعية، بأن مفهوم الدولة العميقة لم يعد صالحاً، وربما عفا عليه الزمن في الحالة الأميركية، من الزاوية الواقعية بفعل عملية التشديد التي مارستها الترامبية السياسية للدولة العميقة، «وابتكار» دولة عميقة جديدة لا تمت للمفهوم الأصلي للدولة العميقة بالمفهوم الأميركي نفسه.
وبفعل سيطرة المسيحية الصهيونية على الفضاء السياسي، وهي قوة مسيحانية دينية غائبة عن الوعي السياسي أو مغيبة عنه، إضافة إلى سيطرة اللوبي الصهيوني على قطاعات لا يستهان بها من هذا الفضاء، وهو لوبي بات يجاهر بكون مركز اهتمامه الأول، وأولويته الأهم هي أولوية وأهمية خارجية، في تقديم الدعم للدولة الصهيونية، ما يحول الفضاء السياسي، جزء كبير منه، إلى «مسرح للهزل السياسي» بدلاً من الفعل والتأثير السياسي المرتبط بالمجتمع واحتياجاته.
وفي ضوء هذه «الكاريكاتورية السياسية «التي وصلت إليها  الأمور على يد الترامبية السياسية، بدأت قطاعات متزايدة تربط ما بين مستقبل وحدة الدولة والمجتمع في الولايات المتحدة، والإطاحة التامة بهذا الفضاء المشوه الذي يعيث فساداً في أميركا، ما يعني أنها، فقدت القدرة على خوض معركة استعادة المكان لسنوات طويلة قادمة، هنا إذا لم نقل إلى عقود قادمة.
خسارة الولايات المتحدة في المحاور الثلاثة ستنعكس على الشرق الأوسط، وعلى كل الأصعدة والمستويات، الانعكاس الأكبر سيكون على دولة الاحتلال، ثم على حلفاء الولايات المتحدة في كامل الإقليم، والواقع الجديد سيفرض نفسه على علاقات وزن وتوازن جديدة، وعلى تأثيرات ليست جيوسياسية استراتيجية فقط، وإنما ستؤسس لتطورات اجتماعية ديمقراطية، ربما تكون الأولى من نوعها منذ أكثر من قرن، في المقالات القادمة.
سنتابع، ما جرى وما يجري وما سيجري في إقليم يقف على أبواب تحولات كبرى.