نشرت في 14 فبراير 2026 04:59 م
https://khbrpress.ps/post/426658
"كنا نحلم سويًا أنا وتوأمي محمد أن نصبح طبيبي مخ وأعصاب، لكن اليوم أنا أُكمل وحدي بدونه، أحمل أحلامي وأحلامه على كتفي". كان الفقد ينشب كلاليبه في عيني الطفل عبد الرازق السبع، ابن العشر سنوات، اللتين تعكسان بلمعتهما الحزينة أسىً عميقًا ووجعًا يفوق قدرة قلبه الصغير الغضّ على الاستيعاب، وهو يتحدث عن توأمه ورفيق أيامه محمد، الذي قتلته إسرائيل بصاروخ استهدف المنزل الذي نزح إليه مع عائلته. انفجارٌ ابتلع جسده النحيل المليء بالبهجة؛ فقد كان اللعب مع شقيقه آخر عهده بالحياة قبل ثوانٍ من عودتهما إلى المنزل.
بنبرة تخنقها العبرة، قال عبد الرازق: "حتى آخر لحظة في حياته كان إلى جانبي، كنا نلعب سويًا قبل ثوانٍ من الانفجار الضخم الذي قتله أمام عيني، ومنذ ذلك الوقت أشعر أن جزءًا من جسدي قد بُتر، وأنني أعيش الحياة بجناح واحد بعد استشهاد توأمي".
كان عبد الرازق ومحمد معًا منذ أن كانا جنينين، وأبصرا نور الحياة سويًا كأجمل هدية لوالديهما بعد سنوات من الحرمان من الإنجاب، حتى أن العائلة كانت تسميهما "أولاد العطش".
كانا روحًا واحدة، يتشابهان في الملامح إلى حدّ التطابق تقريبًا، مع اختلافات طفيفة في الطباع والشخصيات.
بابتسامة بريئة يغلفها الحنين، وغصّة تلمع في عينيه بدموعٍ تأبى إلا أن تنهمر، يقول عبد الرازق: "تقاسمنا كل شيء؛ اللعب، الضحكات، وحتى أحلام اليقظة. كان توأمي محمد مميزًا وبارعًا في لعبة ماين كرافت، يبني عوالم خيالية وقلاعًا وحصونًا بمهارة فائقة، كما أبدى تميزًا في حل مكعب روبيك، يفك شيفراته المعقدة في دقائق معدودة وكأن أصابعه تمتلك مهارة سحرية".
وأضاف أن معلميهما كانوا يشيدون بذكائهما، ويرون في مستقبلهما وعدًا مشرقًا، ما جعلهما يقرران ذات ليلة أنهما سيصبحان طبيبي مخ وأعصاب عندما يكبران.
لكن الأحلام لم ترَ النور، والخطوات الأولى نحو الحياة لم تكتمل؛ فمدينة الحروب كان لها رأي آخر حين شقّ الفراق طريقه بين التوأمين.
يستعيد عبد الرازق أقسى أيام عمره، التي حفرت مخالبها في ذاكرته الغضّة، قائلاً: "نزحنا في نوفمبر 2023 إلى منزل صديق والدي المسيحي الكندي، هربًا من قصفٍ عنيف زلزل الأرض تحت أقدامنا، بعدما تحطم جزء من بيتنا بفعل صواريخ الاحتلال التي استهدفت منزل جيراننا في حي تل الهوى.
مكثنا أيامًا قليلة في منزل صديق والدي، حتى صباح التاسع عشر من الشهر ذاته، وكان ذلك آخر عهدي برفيق خطواتي وشقيق روحي محمد".
وعن اللحظات المرعبة التي عاشها وبدت كأنها القيامة، يقول: "كنا نلعب خارج المنزل، وقررنا أن ننهي اللعب حتى لا تقلق أمي علينا. وما إن وصلنا إلى ساحة البيت الذي لجأنا إليه، وبعد ثوانٍ من دخولنا، حتى سمعنا صوت انفجار ضخم. صاروخ سقط علينا، واختفى كل شيء في لحظة؛ ضباب ودخان وحجارة تتناثر من كل مكان ونار مشتعلة.
كنت مصابًا بجروح، وكذلك أمي وأبي وكل من في المنزل. لكن ما صدمني هو توأمي… كان يمسك بقلبه، يبكي بصمت، يغمض عينيه ويحرك رأسه المثقل بالألم كغريق يحاول التقاط أنفاسه في بحرٍ هائج.
رأيت أمي مصابة، والدماء تسيل من يديها وساقيها، تحمل بين ذراعيها روحي ونصفي الثاني، توأمي محمد، وشلال الدم ينزف من جسده بعدما مزقت الشظايا جسده النحيل واخترقت رأسه ورقبته، والتهمت النيران ساقه اليسرى".
في ذلك اليوم، قُتل محمد بصواريخ موجهة بالذكاء الاصطناعي قبل أن تتاح لهما فرصة العودة إلى مقاعد الدراسة أو اللحاق بحصة الحاسوب التي طالما انتظراها.
ويتابع عبد الرازق: "تخيلي الصدمة التي عشتها؛ أمي مصابة تحمل جثة توأمي، وكلاهما ينزف، ووالدي يحملني وهو مصاب، وأنا أموت خوفًا… ثم فقدت الوعي، ولا أذكر شيئًا بعد ذلك".
أستيقظ لاحقًا في مستوصف صحي يُعرف بـ"البندر"، قرب منطقة الصحابة، بعدما خرجت المستشفيات عن الخدمة آنذاك.
ظنّ أن ما حدث مجرد كابوس ثقيل، وأنه حين يفتح عينيه سيجد شقيقه إلى جواره، لكن الكابوس كان قد أصبح حقيقة لا مهرب منها.
"قالوا لي إن أخي محمد استشهد ودُفن أمامنا. لم أصدق. أخذني أبي إلى قبره ليريني إياه… كان مدفونًا داخل كومة رمل، حجر في أوله وحجر في آخره يسمونه قبرًا… كان أصغر قبر".
اغرورقت عيناه بالدموع، وتعالت شهقة حاول كتمها وهو يستعيد المشهد الذي لا يفارقه.
منذ ذلك اليوم، يمضي عبد الرازق حياته كما يقول "بنصف روح"، خصوصًا حين تصادفه ذكرى تجمعه بتوأمه.
"كلما رأيت مكعب روبيك في مكتبة أو أي مكان، أشعر وكأن صدمة كهربائية تسري في جسدي… أتذكر حبيب روحي محمد".
حتى ألوان المكعب الزاهية بهتت في غيابه، والعوالم التي شيّداها معًا في لعبة ماين كرافت باتت مهجورة، صامتة، تنتظر لاعبًا لن يعود.
وبرغم الألم، يختم عبد الرازق حديثه بعزيمة تفوق عمره: "أحمل حلمينا في قلبي وعلى كتفي، وسأمضي في تحقيقه. سأجعله حيًا في كل حلم أحققه، وسيكون فخورًا بي. وسأظل أتحدث عنه في كل نص أكتبه وعلى كل منبر أقف عليه".
وأشار إلى دفتر صغير يحمل عنوان: "يوم بُتر أحد جناحي الملاك"، وهو أول نص قصصي دوّن فيه ذكرياته مع شقيقه الراحل.
في مدينةٍ اعتادت وداع أطفالها قبل أوانهم، يحاول عبد الرازق أن يعيد ترميم جناحه المكسور بالسير في طريق الحلم الذي رسماه سويًا؛ يحمل حقيبته المدرسية كما لو كانت وعدًا، ويحمل اسم محمد في قلبه كما لو كان عهدًا، وبين أنقاض البيوت وأصوات الانفجارات، يمضي بإصرارعلى أن يصبح طبيب أعصاب… ليعالج ذات يوم ما عجز العالم عن شفائه.