نساء من غزة تكالبت عليهن الحياة

قصص مروية.. "هرب من الحرب لينجو بحياته وهجرها.. وأخرى هي المرأة والرجل في نظر المجتمع"!

نشرت في 04 مارس 2026 09:50 م

نساء من غزة تكالبت عليهن الحياة

مارلين أبو عون - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/427400

وكأن الحرب لم تُعلن فقط على الأرض والممتلكات وعلى أرواح المواطنين فقط بل امتدت للحياة الأسرية التي أصبحت معظمها مهددة بالتفكك والانهيار، كيف لا وقد استُهلك الإنسان نفسياً فلم يعد يتحمل مزيدًا من الأعباء ومزيدًا من الالتزامات التي صارت في زمن الحرب من المستحيلات، فعلى سبيل المثال لا الحصر ترى أُسرا مفككة، الأب لايسأل عن أطفاله والزوجة ألقت بهم لأبيهم بعد أنّ أهانها وترك كل أعباء الحياة فوق كتفيها، أما هو فهو نائم ومغيب عنها.

قصص لأُسر في غزة تُبكي الحجر ولعب الاحتلال دورًا كبيرًا في فتح الفجوة أكثر عبر تضييقه الخناق على العائلات مادياً ومعنوياً ونفسياً وجسدياً.

مُسِنْ يستبيح ما حرمه الله 

وكالة “خبر” تجولت بين خيام النازحين لترى عن قُرب أحوال الأسر والعائلات وخصوصاً أنه لا خصوصية في خيمة هي عبارة عن قماش أو نايلون لا تبعد الخيمة عن الأخرى سوى بضع سنتيمترات لتشعر بأنَّ الجيران ينامون مع جيرانهم يسمعون بعضهم ويطلعون على قصصهم ودواخلهم ومشاكلهم، فأصبحوا يعرفونهم فردًا فردًا.

حين بحثنا في الموضوع الذي نسأل عنه وهو وضع النساء الاجتماعي داخل الأسرة في ظل حرب الخيام التي حرمتها من خصوصيتها وغيرها من الظروف التي لعبت دورًا كبيرًا لكي تسهم في حالات الطلاق التي أصبحنا نسمع عنها كثيرًا في هذه الأيام.

إحدى السيدات وبشكل عفوي أشارت إلى إحدى الخيام المجاورة والتي لا تبعد عنها سوى أربعة أمتار فقط، وبسؤالها عن قصة مَنْ داخل الخيمة، طلبت الذهاب إليها فحين استجابت معدة التقرير لرغبتها وطرقت باب الخيمة تفاجأت برجل ستيني أشعت الرأس يقف بعينين جاحظتين ليسألها عن حالتها، وبعد أنّ أخبرته عن الموضوع الذي تبحث عنه لم يقبل أنّ يُجري اللقاء وأخبرها أنّه لا يُحب أن يتحدث مع الصحفيين فاحترمت رغبته وعادت أدراجها نحو تلك السيدة التي طلبت منها الذهاب لخيمة الرجل المُسن وقبل أن تسألها بادرت بالحديث: "كنت أعلم أنه لن يتحدث معكم لكن كان عندي أمل أنّ تكون زوجته في الخيمة دون أنّ يكون هو حاضراً، مشكلة هذه المرأة أن لديها ابنان وقد استشهدا في هذا الحرب ولم يتبقى لها أحد سوى زوجها ومما نعرفه عنها أنّه ليس لديها أحد من عائلتها، وكل يوم نستيقظ على صراخها وهو يهينها ويضربها ومرات عديدة حاولنا الإصلاح بينهم وتدخل الوجهاء للحديث معه لاحترام الزوجة، ويفعل ذلك لمدة أسبوع لكنه يُعيد الكرة مرة أخرى في الأسبوع الذي يليه، فنسمع من الشتائم والمسبات ما أنزل الله بها من سلطان وكل ذلك على أسباب تافهة إما أن الطعام لم يُعجبه أو أنّه بحث عن شيء ولم يجده أو جاء ضيوفاً عنده من الرجال وهي كانت رافضة لدخولهم لنفس الخيمة التي تعيش فيها وهو لا يريدها أنّ تعترض، جميعها أسباب يمكن حلها بالتفاهم والمودة وخصوصاً أنهم في مرحلة لا بد أن يكون الزمن قد ألقى بظلاله عليهم وأعطاهم من الدروس كثيراً فأصبحوا أكثر رزانة وتفهماً للحياة، فاضطرت هذه المرأة أنّ تسايره في بعض الأوقات والأوقات الأخرى تضيق ذرعاً فتخرج من خيمتها لتصرخ وتستغيث بمن حولها ليحميها من هذا الزوج الظالم".

هي الرجل والمرأة في آن واحد

“إيمان .ص” قصتها يمكن أنّ تكون مشابهة لآلاف النساء في غزة، رفعت الحرب الغبار عن تفاصيلها لتبدو أكثر قساوة ووجع، تقول: “تزوجت زوجي بعد قصة حب استمرت ثلاث سنوات وطول هذه السنين ما بيَّن عليه أي شي مش منيح بل بالعكس كان حنون وطيب وخدوم، وكان يحكيلي عن شغله وقتها كان بيشتغل خياط في محل ملابس وبالسنة الثالثة خطبني وتزوجنا مع إنه أخوه نصحني بالتأني قبل الموافقة وبرر لي ذلك وقتها بأنَّ زوجي طباعه صعبة ولا يحب العمل وطوال الوقت يسب ويلعن ويُكسر كل شي أمامه إذا لم يجد المال لشراء السجائر، وياريتني أخذت بنصحيته”.

تُواصل إيمان حديثها لمراسلة وكالة  "خبر": "في الأيام الأولى للزواج ما بين شي عليه بالعكس متل ماعرفته، لكنه بعد شهرين بدأ يتغير صار طول الوقت يطلب مني فلوس من الي بيعطوني اياها أهلي وأخد ذهبي وباعه وحتى صار ياخد من عفش البيت ويبيع ولما سألته ليه بتعمل هيك، بدك أسيبك من هاي الأفعال، يقعد يترجاني ويقولي سامحيني أنا تعبان ومتدايق وإنه بيحبني ومابيقدر يستغنى عني، وأنا من حبي له قلت أستحمل خصوصاً أنه أهله ناس كتير طيبين وبيراعوا ربنا فيا أما هو لا".

وتُتابع: "لما قررت ما أسكت عن الي بيعمله فيا وأسيبه وأروح على بيت أهلي، اكتشفت إني حامل فسكتت وخلفت ابني الأول وشفت الي ماحدا شافه في هادي الدنيا أول خمس أشهر من ولادة ابني، وأجت الحرب وتشنططنا أكثر وانقصفت بيوتنا وصرنا نتنقل من بيت لبيت ومن خيمة لخيمة وهو ولا على باله مرة يكون منيح معي ومرة مهملني ومهمل ابني، الكل بيدور على الاستقلالية بحياته، لو يجيبلنا خيمة تلمنا أنا وهو والطفل الصغير مافكر فيها، وطول الوقت مشاكل وهو أخلاقه بتقل وقيمته كمان في عيوني". 

وتتحدث إيمان عن بعض التفاصيل اليومية التي ألقى بها الزوج على كاهلها وكأنها جبل يطبق على روحها، تقول: "يعني بيشوفني بجري على المؤسسات مشان أسجل للمساعدات ما قال مرة بدي أروح أنا وانتي ليه تروحي وتتبهدلي، بروح من الصبح على طابور المياه أقف على الدور أنا وابني اللي صار عمره 3 سنوات من غير ما هو يرأف بحالنا ويقول لي اقعدي هادي مش شغلتك، حتى على طابور التكية بروح وبزاحم وبجيبله مشان ياكل، وهو طول الوقت نايم ولا سائل، إنّ صحي من النوم بيعمل مشاكل وبيضربني وإن ما ضربني بيشتمني وبيجرح كرامتي وشرفي وإنسانيتي كل هادا وأنا ساكتة، صحيح أنا سكتت كتير بالاول لأني حبيته بس بهذا الوقت أنا ساكتة مشان ابني، بقول يمكن ربنا يهديه ويصير رجال منيح لكن عبث، لا هو بيتغير ولا الوضع الي احنا عايشينه بيتغير كل يوم بيزيد سوء أكثر من الي قبله".

وتتساءل إيمان: "إذا أنا تركت له ابني مشان يتربى متل ما أهلى بيحكولي هل أنا هتحمل؟ وشو ذنب هالطفل مشان يتمرمط بينا؟ وليه هو مش قابل يتغير خصوصاً إنه الموت كان قريب منا أكثر من مرة يعني المفروض الإنسان يتغير للأحسن والمصيبة تبني شخصية إيجابية وصالحة أكثر مش للأسوأ.؟".

“هجرها وسافر مع عائلته وما زالت تنتظر”

“عبير.أ” ليست ببعيدة عما عانته إيمان كثيراً ولكن يمكن أنّ تكون معاناتها أكبر كون الرجل الذي أحبته تركها في منتصف الطريق دون سبب وهرب لوحده مع أطفاله وزوجته الأولى لينجو من حرب قتلت كل معاني الحياة في غزة، تقول: "تزوجت قبل الحرب بخمس سنوات من رجل متزوج وله أربعة أطفال وقد أعلم زوجته الأولى بنيته بالزواج مني لأسباب كثيرة دون ذكرها، وقد وافقت مكرهة بعد ضغوط العائلة عليها خصوصاً أنّ والداها متوفيان وليس لديها مكان لتلجأ إليه ولا تريد أنّ تنزل ضيفة في بيت أخويها وتصبح نسائهما تتحكمان بها، ففضلت أنّ تبقى بين أطفالها أفضل وأنا تزوجت منه في بيتي الذي أعيش فيه وأدفع إيجاره من عملي، لقد قضينا سنواتنا الخمس في حبٍ وسعادة لم أذكر لحظة حدثت بيننا مشاكل أو نام بعيداً عني وهو غضبان، بل بالعكس كان يهرب من المشاكل وضغوط الحياة والعمل في بيتي، وأتت الحرب وفرقتتا!".

وتُتابع عبير: "منذ أنّ نزحنا من غزة وأصبحنا مشتتين هو في بيته مع أولاده لم يتأذى منزلهم بعد، أما أنا فقد انقصف منزلي قبل منزله واضطررت لأنّ أنزح مع أهلي، وقد اتصلت به مراراً لأخبره عما أعانيه كان يواسيني ويأتي للمكان الذي أنزح إليه عند أقاربي ليطمأن علي دون أنّ يطلب مني أنّ يأخذني لمنزله مع زوجته الأولى، انتظرته كثيراً لأنّ يقولها لكنه لم يقلها وقد وضعت له الأعذار (من حبي له) ولأنه أيضاً لم يتركني كان كلما اتصلت به أطلب منه شيئاً يأتيني فوراً ويلبي طلبي".

وتُواصل: "مرَّ على الحرب 3 أشهر وقد نزحنا لرفح وهو أيضاً كان من النازحين إليها، أنا أعيش في خيمة وهو يعيش في منزل أخته المقيمة هناك مع أولاده وزوجته الأولى، وفي آخر لقاء بيننا تفاجأت بزيارته لي في خيمة أهلي ليلاً، وحين سألته لماذا جاء في هذا الوقت المتأخر، لم يقل شيئاً غير أنه اشتاق لرؤيتي وسهر مع أشقائي ومعي وغادر، وفي اليوم التالي اتصلت به لكن هاتفه كان مغلق، ومن ثم أعدتُ الاتصال مرات وكان الخط مغلق، قلقت كثيرًا واتصلت بأخته لتفجعني بالخبر الذي تمنيت أنني لو متُ ولم أسمعه، أخبرتني أخته أنه سافر مع زوجته وأولاده إلى مصر، أقفلت معها الهاتف ولم أتكلم كلمة واحدة، ولم أسألها لماذا لم يخبرني ولماذا تزوجني إنّ كان سيهجرني وهل كان يحبني حقاً لكي يختار عائلته ويذهب بهم بعيداً، وهل زيارته لي في ليلتها ليودعني تُعادل حياتي معه طيلة السنوات الخمس؟ هل هو بذلك كافأني على ماقدمته له من حب واحترام وحياة؟".

وتستطرد: "مرت الأيام والشهور ولم يتصل، كنت غاضبة جداً وفي بعض الأحيان كان قلبي يضعف ويضع له الأعذار لكن في نفس الوقت يعاتبني عقلي ويجبرني على كرهه ونسيانه، ومرت السنة الأولى للحرب واجهت فيها مع عائلتي صنوف العذاب واستشهد أخواي ومن ثم والدي وأختي ولم يتبقى سوى أمي وأخي ولم يتصل بي ليطمئن على حالي، وكأنه يخبرني بأنني كنت نزوة عابرة في حياته، وفي السنة الثانية وقت المجاعة علم بكل تأكيد أنَّ الناس يتضورون جوعاً في غزة، لكن حالي لم يعني له شيئاً ولم يتصل إلا في الأيام الأخيرة للمجاعة اتصل ليخبرني أنَّ سفره جاء في ظروف عاجلة ودوناً عن إراداته، سمعته لعله يتأسف ويعزيني بأهلي الذين فقدتهم، انتظرته يسألني عن حالي إن كنت آكل أو أنني عانيت صنوف العذاب من الجوع والحرمان، لم يقل شيئاً وأنا لم أقل شيئاً فأقفلت الهاتف في وجهه وبقي قلبي ينتظر الرجل الذي أحببته وأحبني وتزوجني ليسأل عن حالي ويعتذر مني عن كل لحظة ألم تركني بها، ومرت الأيام ولم يتصل، وقد نصحني المقربين مني أن أذهب للمحكمة لأتطلق منه والمحكمة ستنظر بحالتي وملابسات قضيتي وستحكم بتطليقي منه دون شك، لكن قلبي لم يطاوعني ولم أذهب وبقيت أنتظره لعله يأتي".

تلك القصص لم تخرج من رحم المعاناة فقط، بل خرجت بسبب ربما سوء اختيار أو اختبار!! ولكن الخاسر الوحيد فيها كانت المرأة التي تحملت ما لم يتحمله بشر في غزّة الجريحة، في ظل غيابٍ تام لمؤسسات المجتمع المدني التي تُعني بقضايا المرأة وفي ظروف لن تعطيها حقها من الأمان والاستقرار والخصوصية. 

وكالة “خبر” استطلعت آراء المتابعين عبر الفضاء الأزرق "فيسبوك" وعرضت موجز لقصة عبير وكانت جميعها تتمحور حول نتيجة واحدة وهي كالتالي:

03-1
04-2
02-1
01-3