نشرت في 11 سبتمبر 2026 12:00 ص
https://khbrpress.ps/post/435072
يحيي الأميركيون، اليوم الجمعة، الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، التي شنها تنظيم "القاعدة" باستخدام أربع طائرات مدنية، استهدفت اثنتان منها برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فيما اصطدمت الثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون"، وتحطمت الرابعة في حقل بولاية بنسلفانيا، مخلفة نحو 3 آلاف قتيل.
وبعد ربع قرن على الهجمات التي غيّرت وجه الولايات المتحدة والعالم، لا تزال تداعياتها حاضرة في السياسة الخارجية الأميركية وفي حياة الأميركيين اليومية، فيما لم تُغلق جميع الملفات المرتبطة بها، ولا تزال سجالات واسعة تدور حول سجلات ووثائق سرية يقال إنها لم تُنشر بالكامل.
وتأتي الذكرى هذا العام في وقت لا تزال فيه دول مثل أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والصومال ونيجيريا وغيرها تعاني آثار الحروب التي اندلعت أو توسعت في أعقاب إعلان "الحرب على الإرهاب"، وسط تقديرات تشير إلى مقتل مئات الآلاف بصورة مباشرة، وملايين آخرين نتيجة التداعيات غير المباشرة لهذه الحروب.
ولم تتوقف آثار 11 سبتمبر عند حدود العمليات العسكرية، بل أعادت تشكيل مفهوم الأمن الأميركي، بدءاً من إجراءات التفتيش في المطارات، مروراً بتوسيع صلاحيات المراقبة والتحقيق، ووصولاً إلى إعادة رسم السياسة الخارجية الأميركية وشن حروب على أنظمة وجماعات اعتبرتها واشنطن جزءاً من التهديد العالمي الجديد.
يوم غيّر وجه أميركا
تستعيد الولايات المتحدة تفاصيل ذلك اليوم عاماً بعد عام، دقيقة بدقيقة، منذ الساعات الأولى التي سبقت الهجمات وحتى انهيار برجي مركز التجارة العالمي.
ففي الساعة 5:45 فجراً، اجتاز خاطفان نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، قبل أن يستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن، ومنها صعدا إلى الرحلة رقم 11 التابعة لشركة "أميركان أيرلاينز"، التي أقلعت عند الساعة 7:05 صباحاً، وعلى متنها 76 راكباً و11 من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، وكانت وجهتها المقررة لوس أنجلس في ولاية كاليفورنيا.
وفي الساعة 8:15 صباحاً، أقلعت الرحلة 175 التابعة لـ"يونايتد أيرلاينز" من بوسطن، وعلى متنها 51 راكباً وتسعة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.
وبعد خمس دقائق، عند الساعة 8:20، أقلعت الرحلة 77 التابعة لـ"أميركان أيرلاينز" من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، وكانت وجهتها لوس أنجلس.
أما الرحلة 93 التابعة لـ"يونايتد أيرلاينز"، فأقلعت من مطار نيوارك في نيوجيرسي عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، متجهة إلى سان فرانسيسكو.
دقائق الرعب
لم تمضِ سوى دقائق حتى اصطدمت الرحلة 11، عند الساعة 8:46 صباحاً، بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في مانهاتن.
وتحوّلت الصور التي بثتها شاشات التلفزيون من نيويورك إلى مشهد يتابعه العالم بأسره، قبل أن تتضح طبيعة الهجوم بعد دقائق قليلة.
وعند الساعة 9:03 صباحاً، اصطدمت الرحلة 175 بالبرج الجنوبي، لتتبدد الشكوك حول احتمال كون الحادثين مجرد خلل أو حادث طيران، ويتأكد أن الولايات المتحدة تواجه هجوماً منظماً وغير مسبوق.
وفي تلك الأثناء، كان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش داخل فصل دراسي في مدرسة بولاية فلوريدا. وعند الساعة 9:05، أبلغه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد باصطدام طائرة بالبرج الثاني.
وكتب بوش لاحقاً أنه قرر عدم مغادرة الفصل فوراً حتى لا يثير الذعر بين الأطفال، قائلاً إنه أراد "بث شعور بالهدوء".
لكن الهدوء الذي سعى إليه الرئيس الأميركي لم يدم طويلاً.
فعند الساعة 9:37 صباحاً، اصطدمت الرحلة 77 بمبنى "البنتاغون" في واشنطن، بينما كان ركاب الرحلة 93 يخوضون مواجهة مع الخاطفين في محاولة لاستعادة السيطرة على الطائرة.
وانتهت المواجهة عند الساعة 10:02 صباحاً بتحطم الطائرة في حقل قرب شانكسفيل بولاية بنسلفانيا، فيما لم يُحسم الهدف النهائي للخاطفين، وإن رجحت تقديرات واسعة أن تكون الطائرة متجهة إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.
وبينما كانت الولايات المتحدة والعالم تحت وقع الصدمة، انهار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي عند الساعة 9:59 صباحاً، ثم انهار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، عند الساعة 10:28.
وبذلك تحولت هجمات 11 سبتمبر إلى واحدة من أكثر اللحظات دموية وتأثيراً في التاريخ الأميركي الحديث، حتى إن الصحافة الأميركية وصفتها بأبعاد "آبوكاليبتيكية".
من الصدمة إلى إعادة تشكيل أميركا
لم تكن هجمات 11 سبتمبر مجرد عملية إرهابية واسعة النطاق، بل شكلت نقطة تحول عميقة في الأمن والسياسة والمجتمع الأميركي.
وبعد أيام من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات لإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، فيما أقر الكونغرس "قانون باتريوت" الذي وسّع صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية.
كما تغير أمن الطيران بصورة جذرية مع إنشاء إدارة أمن النقل، وتشديد عمليات التفتيش، وفحص الأمتعة بالأشعة السينية، وتحويل إجراءات مثل خلع الأحذية إلى جزء روتيني من السفر الجوي، إلى جانب تحصين أبواب قمرة القيادة وإنشاء "قائمة حظر الطيران".
كما انعكست الهجمات على المجتمع الأميركي نفسه، إذ شهدت البلاد موجة وطنية واسعة وارتفاعاً كبيراً في الثقة بالحكومة الفيدرالية، ورفع نحو 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر 2001.
لكن الوجه الآخر لهذه المرحلة تمثل في تصاعد الإسلاموفوبيا والاعتداءات ضد المسلمين في الولايات المتحدة ومناطق مختلفة من العالم.
"الحرب على الإرهاب"
في خطاب ألقاه ليلة الهجمات، أعلن الرئيس بوش أن الولايات المتحدة لن تكتفي بملاحقة منفذي الاعتداءات، بل ستستهدف أيضاً الجهات التي تؤويهم، في إشارة واضحة إلى نظام "طالبان" في أفغانستان الذي رفض تسليم زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن.
وبعد أقل من شهرين، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها عملية "الحرية الدائمة" في أفغانستان، التي أسقطت الحكم الطالباني الأول، لكنها لم تنه الحرب التي استمرت نحو 20 عاماً.
وفي مطلع عام 2002، قدّم بوش في خطاب "حال الاتحاد" رؤيته الأوسع لما سماه حرباً ستتواصل لعقود، مستهدفاً الإرهاب والدول التي اعتبرتها واشنطن راعية له.
وفي الخطاب ذاته، أطلق مصطلح "محور الشر"، الذي ضم العراق وإيران وكوريا الشمالية، متهماً هذه الدول بالسعي إلى امتلاك أسلحة دمار شامل.
ومثّل الخطاب مقدمة سياسية وفكرية للحرب على العراق التي اندلعت عام 2003 وأسقطت نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين.
من أفغانستان والعراق إلى "محور المقاومة"
لم تتوقف نتائج حرب العراق عند إسقاط النظام، بل ساهمت الحرب، إلى جانب انهيار الحكم الطالباني في أفغانستان، في إحداث فراغ جيوسياسي واسع في المنطقة.
واستغلت إيران هذا التحول لتعزيز نفوذها الإقليمي، وتوسيع علاقاتها مع قوى وجماعات مسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وصولاً إلى تشكل ما عرف لاحقاً بـ"محور المقاومة"، وهو ما وصفه الملك عبد الله الثاني بـ"الهلال الشيعي"، الممتد من إيران عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان.
وفي المقابل، اعتبرت الولايات المتحدة إيران دولة راعية للإرهاب، واتهمتها بدعم جماعات مسلحة في المنطقة، بينها "حزب الله" في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن وفصائل شيعية مسلحة في العراق، إضافة إلى اتهامات مرتبطة ببرنامجها النووي والصاروخي.
وبحسب مشروع "تكلفة الحرب" في جامعة براون، أوقعت الحربان في أفغانستان والعراق نحو 940 ألف قتيل نتيجة العنف المباشر، فيما تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين شخص بحلول عام 2023 عند احتساب الآثار غير المباشرة للحروب.
كما ارتفع الإنفاق العسكري الأميركي بنحو 50 في المائة خلال العقد التالي لهجمات 11 سبتمبر، فيما تجاوزت التكلفة الإجمالية للحروب 5.6 تريليونات دولار بحلول عام 2018، وأنشأت الولايات المتحدة معتقل غوانتانامو الذي احتُجز فيه نحو 780 شخصاً.
7 أكتوبر وعودة مقارنات 11 سبتمبر
بعد أكثر من عقدين على هجمات 11 سبتمبر، عادت مقارنات ذلك اليوم إلى الواجهة بعد هجمات 7 أكتوبر 2023.
واستخدم رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر، قبل أن تفتح إسرائيل حرباً واسعة على قطاع غزة، ثم توسع المواجهة لتشمل "حزب الله" في لبنان، وسط سقوط عشرات آلاف الضحايا الفلسطينيين واللبنانيين.
وبذلك عادت مفردات "الحرب على الإرهاب" و"محور الشر" و"الدفاع عن الأمن" إلى الخطاب السياسي والعسكري في المنطقة، بعد سنوات من تحولها إلى جزء ثابت من السياسة الخارجية الأميركية والإسرائيلية.
إيران.. الحرب التي لم تُحسم
على مدار ربع قرن، فشل الرؤساء الأميركيون المتعاقبون في إنهاء حالة العداء مع إيران أو كبح نفوذها الإقليمي، رغم اختلاف الأدوات التي استخدمتها الإدارات الأميركية بين الضغط والعقوبات والمفاوضات والتهديد العسكري.
وجاء دونالد ترامب إلى ولايته الثانية وهو يتبنى مقاربة أكثر تشدداً تجاه إيران، مركزاً بصورة خاصة على برنامجها النووي، والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب دعمها لحلفائها الإقليميين.
كما واصلت واشنطن اتهام طهران بإيواء عناصر من تنظيم "القاعدة" ودعم "حزب الله" والحوثيين وفصائل مسلحة في العراق.
وفي هذا السياق، يمكن وضع الحرب الأميركية مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 ضمن مسار أوسع من المواجهة الأميركية مع طهران، التي بدأت ملامحها السياسية والفكرية منذ خطاب بوش عن "محور الشر" بعد هجمات 11 سبتمبر.
وكانت مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس قد ربطت في وقت سابق بين السياسات الإيرانية ودعم الجماعات المسلحة، معتبرة أن استمرار دعم طهران لما وصفته واشنطن بـ"الإرهاب الإقليمي والعالمي"، إلى جانب برنامجها النووي، يتناقض مع أي مؤشرات على تغيير في سلوك النظام الإيران