نشرت في 26 مارس 2026 11:23 ص
https://khbrpress.ps/post/428301
من بين عشرات المعارك التي دارت حتى الآن، والتي ما زالت تدور بصورة طاحنة، وبما فيها معارك الخداع، ومعارك تدمير البنى والمنشآت، ومعارك الاغتيالات والتتبُّع والمطاردات، إضافةً إلى المعارك الجوية والبحرية والصاروخية القائمة على أعلى درجات التطوّر التكنولوجي، تبدو معركة كيفية إنهاء هذه الحرب هي لحظة تكثيف كل هذه المعارك، ويبدو أن الاتفاق من عدمه حول شكل نهايتها هي المعركة الحقيقية الأهم والأكبر.
بعد أن ثبت بالملموس أن التفوق الهائل لأميركا ودولة الاحتلال في هذه الحرب قد فشل في قدرته على الحسم، وبعد أن تمكّنت إيران من استخدام نقاط قوّتها، والاستثمار في نقاط ضعف خصومها وأعدائها، بالاعتماد على قدرات عالية من الكفاءة القتالية، وبالاستناد على قاعدة علمية وتكنولوجية مُبهرة نجحت حتى الآن في استدراج الخصوم والأعداء إلى الملعب الذي أرادته منذ بداية هذه الحرب، وهو تحويلها إلى كلفة عالية لا يمكن تحمّلها مع الاستمرار بها، وتحويل هذا الاستمرار إلى ضغوطات هائلة للبحث عن مخرج منها بقدر ما تتحوّل من الناحية العملية إلى عبث يتراكم في الميدان الكمّي، وينحصر في ازدياد مطرد للخسارات والخسائر دون أن يُحدث أي تغيّرات نوعية أو جوهرية إلّا بقدر ما يُنذر به هذا التراكم من احتمال أن تتفوّق به إيران من صبرٍ وتحمّل وصمود قد لا يتوفّر بنفس القدر لدى الطرف الآخر.
وهنا، وهنا بالذات تكمن المراهنة الإيرانية، وكذلك تكمن المخاوف الأمروإسرائيلية.
لنضع جانباً كل ما يقوله رئيس أميركا دونالد ترامب، وخصوصاً الجانب المختلّ والمعتلّ منه، والجانب الذي أصبح فيه الكذب والفشخرة والشطط مثال سخرية العالم وتندّره والخوف من نتائجه، ولنحاول استقراء ما يتبقّى من أقواله لكي نتبّين الوجهة الأميركية الحقيقية فيه، والمتمثلة في الذهاب إلى نقطة يصبح بموجبها إنهاء هذه الحرب ممكناً ولا يختلف الأمر جوهرياً عند الجانب الإسرائيلي حتى ولو حرص هذا الجانب على «إضفاء» الخصوصية الإسرائيلية فيه وعليه.
لكن هذا التوجّه نحو الوصول إلى نقطة إنهاء الحرب بشروط أميركية وأخرى أوسع إسرائيلية أمر متعذّر، لأن الشروط الإيرانية بحدّ ذاتها لا توفّر مثل هذه الإمكانية، والواقع لا يجبرها على ذلك.
في هذه الحالة، سيتحوّل الأمر إلى واحد من احتمالين:
الأول، إنهاء الحرب من طرف واحد، وأقصد هنا الجانب الأمروإسرائيلي، وتأجيل النهاية الحاسمة إلى حرب «قادمة»، بهدف عدم إعطاء إيران أي فرصة لتحقيق أهدافها بعد أن دفعت فعلياً ثمناً باهظاً، وبالتالي الاستمرار بخنقها ومحاصرتها، وممارسة أعلى الضغوطات عليها لكي تدفع الثمن مضاعفاً في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، وإعادة «التأسيس» للمرحلة القادمة من تقويض متواصل لقدراتها ومقدّراتها، وفي خلق الظروف السياسية والاقتصادية الاجتماعية الكفيلة بإعادة «تثوير» المجتمع على النظام السياسي «وتهيئة» الظروف للحسم في الحرب القادمة بعد أن «اكتشف» الثنائي الأمروإسرائيلي استحالة إسقاط النظام «من الجو»، أو حتى استحالة أن تؤدّي سياسة قطع الرؤوس إلى مثل هذه النتيجة.
باختصار شديد، هذا الاحتمال هو الهروب من الحرب من دون أي اتفاق. وهو مرفوض كلياً من إيران، ونهاية الحرب بالذهاب إلى هذا الخيار هي مجرّد أُمنية لا أكثر، وهو احتمال قليل الفرصة والحظّ، وعديم الأهميّة من الناحية الواقعية، لأن إيران وكل حلفائها يعرفون أن نهاية كهذه ليست سوى «الكَمِين» الذي سيحوّل هذه الحرب إلى معارك منفردة ومتواصلة لحصار جماعة «أنصار الله» «الحوثيين» اليمنية، ومحاصرة فصائل المقاومة العراقية، وزجّ «حزب الله» اللبناني في صراع داخلي دامٍ بهدف تصفية وجوده العسكري، والإطباق السياسي الطائفي عليه، وهو خيارٌ سيؤدّي في حالة تحويله إلى واقع سياسي إلى تقويض مقدّرات إيران وقدراتها، وإلى استنزافها على طريق إسقاط نظامها السياسي. والأرجح هنا هو أن الأخيرة ستذهب إلى أعلى درجات التصعيد لأنها تدرك أن فرصتها الحقيقية في بقاء نظامها السياسي، وربما في بقاء الدولة الإيرانية نفسها إنّما تكمن في وأد هذا الاحتمال تحديداً مهما كلّف الأمر، والعودة بالحرب إلى وجهتها الإستراتيجية بتحويل قدرة أميركا، ودولة الاحتلال على تحمّل تبعات استمرارها مخاطرة أكبر من مخاطرة قبول وتقبّل المطالبات الإيرانية لإنهائها.
أما الثاني، فهو البحث عن «مخرج» حقيقي من هذه الحرب بشروط وضمانات إقليمية ودولية مقبولة على إيران، وتؤمّن لها حدوداً مقبولة من مطالباتها بسبب الأخطار التي باتت تهدّد المصالح الأميركية الجذرية والشاملة في كامل الإقليم، بما في ذلك المصالح الجيوإستراتيجية، وبما في ذلك بقاء أنظمة الخليج العربي الحليفة لأميركا، وربّما الخوف على وجود بعض بلدان الخليج إذا ما تدهورت الحرب إلى مراحل أكبر وأخطر من وتائرها الراهنة. هذا إضافةً إلى المخاوف على دولة الاحتلال من أن يؤدّي استمرار هذه الحرب إلى انهيارات كبيرة فيها.
إيران حسمت أمرها، ومن يريد أن يصدّق فله ذلك، وسيفعل خيراً لنفسه، ومن لا يريد أن يصدّق فلينتظر ليرى بنفسه أن أمر التردّد في هذا الحسم ليس مطروحاً على جدول الأعمال الإيراني، ومن لا يريد، ولا يرى، ولا يرغب أو يحبّ أن يُصدّق فله ذلك، شريطة أن يمتلك شجاعة الاعتراف بسوء التقدير عندما تداهمه أحداث هذه الحرب ومجرياتها.
هنا لا أتحدّث عن النصر أو الهزيمة في قرار الحسم، وإنما أتحدّث حول القرار والإرادة والعزيمة، لأن مسألة النصر والهزيمة مسألة تحتاج إلى معالجة شاملة سنأتي عليها لاحقاً في سياقات أخرى من هذه الحرب.
بعد ضربة «ديمونا» الأخيرة، من الواضح أن إيران باتت قادرة على ضرب صورة القوّة الإسرائيلية، وبعد تحطيم صورة القوّة الأميركية في الفشل بحماية القواعد الأميركية، والفشل في حماية مصادر الطاقة في الخليج، والفشل في تحطيم صورة القوّة الإيرانية أصبحنا، اليوم، أمام مشهد جديد من هذه الحرب.
هذا المشهد يتلازم فيه تصدّع صورة القوّة الأمروإسرائيلية مقابل صمود إيراني بخسائر باهظة، وخسارات ضخمة دون أن تبدو صورة القوّة الإيرانية على نفس درجة تصدّع صورة القوّة الأمروإسرائيلية، كما تظهر الخسارات والخسائر الإيرانية قليلة الأهمّية الإستراتيجية في هذه الحرب مقابل عِظَم الأهمية الإستراتيجية للخسائر والخسارات الأمروإسرائيلية، خصوصاً أن الادعاءات «بمحو» إيران عن الخارطة، وانتهاء قدراتها، وتدمير قواها، كما جاء نصاً على لسان ترامب، قد ثبت زيفها، وأظهرت الأخير كشخص منفصلٍ عن الواقع، ويعيش في عوالم غريبة لا تمتّ للواقع بأيّ صلة، كما أظهرت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» كرجل يعيش على أوهام القوّة، والتي أوصلته للحديث عن «أفضلية جنكيز خان على السيّد المسيح»، وذلك بهدف الإيهام بأنّه صلب وقوي وعنيد بما يكفي، وبالرغم من أن ما قاله ليس سوى تعبير عن حالة يأس لا أكثر، وبعد انحدار تدريجي مفضوح في كل الأهداف التي سردتها دولة الاحتلال على شعبها، وروّجتها للعالم قبل وأثناء هذه الحرب الطاحنة.
أما الاحتمال الثاني، فهو التراجع الأمروإسرائيلي عن الاستمرار بهذه الحرب لأنها ليست فقط تحوّلت إلى حرب عبثية لا طائل أميركياً وإسرائيلياً جوهرياً من استمرارها، بل لأنها ستتحوّل إلى حرب كارثية من الزاوية الإستراتيجية عليهما معاً لا محالة، والتوقّف هنا أفضل بكثير من توقّفها لاحقاً، والقبول بالشروط الإيرانية لا يهدّد المصالح الإستراتيجية مصيرياً، حتى وإن كان يقلّص إلى حدّ كبير من الطموحات الإسرائيلية في الإقليم، ويقلّل من دورها الوظيفي، ويخفّض كثيراً من مكانتها، وربّما يضع علامات استفهام كبيرة، وغير معهودة على هذا الدور، وعلى هذه المكانة.
التفشخر والعناد والادّعاءات الوهمية والمتخيّلة لا تخلق وقائع، ولا تغيّر في صورة هذه الحرب، ولا في نتائجها، وربّما أن الخيار باتجاه هذا الاحتمال هو مصلحة إقليمية وعالمية كبرى ومشتركة، بدلاً من سياسة المكابرة وتقمُّص صورة المسيطر والمهيمن والمنتصر.
صحيح أن القرار الأمروإسرائيلي عند هذه النقطة من الحرب، نقطة التوازن الأكثر حساسية في تاريخ هذا الإقليم على مدى أكثر من قرن كامل من صراعات هو قرار صعب، إلا أنه هو القرار الأسلم والأجدى حتى للمصالح الأمروإسرائيلية، لأن البديل «أسخم» بكثير، وغرور القادة لا يجدر أن يطغى على المصالح، وقد تتوفّر «للثنائي»، اليوم، فرصة «معقولة» لا يوجد أيّ ضمانة بتوفّرها مستقبلاً.
أما التهديد بتدمير بنية الطاقة في إيران فليس سوى الوصفة المجنونة التي ستُدخل منطقة الخليج العربي في تصعيد تدميري، وستُدخل العالم كلّه في أزمة لن يكون بإمكان أحد وقف كوارثها عند حدّ معيّن، وستورّط أميركا في حروب برّية مدمرة ومكلفة لها استراتيجيا.