نشرت في 26 مارس 2026 11:19 ص
https://khbrpress.ps/post/428300
صمود النظام الإيراني، كان المفاجأة الكبرى التي لم يتوقعها من قاموا بشنّ العدوان، كما لم يتوقّعها أحد من دول الجوار العربي وغير العربي، ولا حتى توقّعتها الدول الأوروبية.
تمضي الحرب ضروساً في أسبوعها الرابع، دون أي توقّف أو إشارة ولو محدودة، بأن إيران قد أخذ منها الضعف أي مأخذ.
وبالرغم من أن الضربة الأولى التي استهدفت علي خامنئي، وعددا كبيرا من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، إلا أن النظام تمكّن من احتواء تلك الضربة الصعبة فملأ بسرعة الشواغر التي تركتها الضربة، وبادر إلى ردّ غير متوقّع.
وقائع الأسابيع الأربعة، تشير بوضوح إلى أن المسألة بالنسبة لأميركا ودولة الاحتلال، لا تتعلّق أساساً بالبرنامج النووي، أو بالصواريخ، وإنما بوجود النظام، الذي يشكّل عقبة، بل العقبة الكبرى أمام هدف إعادة بناء الشرق الأوسط وفق الشروط الإسرائيلية.
كان بإمكان أميركا أن تحصل على اتفاق جيد مع إيران من خلال المفاوضات، وذلك بشهادة الوسيط النزيه وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، وحتى باعتراف ترامب الذي كان أشار إلى مفاوضات جيدة.
إسقاط النظام، وإزالة هذه العقبة، من وجهة نظر إسرائيلية كان سيترك من يسمّونهم «أذرع إيران» وبلدانهم فريسة لطغيان القوة الإسرائيلية، التي تسعى لإزالة كل وأصغر عقبة تحول دون تحقيق أهداف التوسّع والسيطرة على المنطقة.
فلقد كشفت المصادر الإسرائيلية غير الرسمية عن أن الإطاحة بالنظام في إيران، سيفتح الطريق أمام التصدّي للعقبة الأخرى الإقليمية وهي تركيا، بينما تشكّل مصر من وجهة نظر هؤلاء الجائزة الكبرى.
هذا المخطّط لم يعد حديث مغرّدين، أو تصريحات عنجهية من هذا المستوى أو ذاك، فلقد كانت التحركات الإسرائيلية في المحيط، أي في فلسطين المحتلّة، والسودان واليمن والصومال والقرن الإفريقي، دليلا أكيدا وواضحا، يُضفي مصداقية عالية على ما تعلنه دولة الاحتلال.
كان سقوط النظام في إيران، سيعني أن منطقة الخليج العربي ستخضع كلها للهيمنة الإسرائيلية الأميركية، التي تحتفظ بقواعد عسكرية في تلك الدول، واتضح أن تلك القواعد لم تكن لحماية أمن المنطقة، وإنما لحماية وخدمة المخطّطات الإسرائيلية.
واتضح، أيضاً، من خلال وقائع الحرب، أن أميركا لا تقبل بالشراكات، ولا تؤمن بالتحالفات، فيما درس علاقاتها بأوروبا لا يزال ماثلاً للأذهان.
الحليف الوحيد لأميركا، على وجه الكوكب هو دولة الاحتلال التي تتعامل معها باعتبارها حاملة الطائرات الأضخم لأميركا في منطقة الشرق الأوسط وعلى تخوم القارة الإفريقية.
لا بدّ أن هذا الدرس، قد دقّ ناقوس الخطر لدى دول الخليج التي أُقحمت في الحرب، ودفعت أثماناً باهظة في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
وما كان ذلك بسبب سوء علاقات الجوار وإنما بسبب وجود وانتشار القواعد الأميركية المنخرطة في الحشد العسكري الأميركي الضخم. وربما لم يكن في وارد من خطّط لتلك الحرب المجنونة أنها ستمتدّ لتشمل إمدادات الطاقة، وسلاسل الغذاء، ذلك أن من كان يعتقد أن النظام الإيراني سيسقط خلال أيام قليلة لن يكون بمقدوره تهديد الملاحة عَبر مضيق هرمز.
خلال الضربة الأولى في أيار العام المنصرم، تعرّضت إيران إلى خسائر فادحة، في البشر والحجر، والقدرات الدفاعية والصاروخية حتى اعتقد ترامب، وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية أنه سيكون من الأسهل سحق ما تبقّى من تلك القدرات ما سيؤدي إلى سقوط النظام أو استسلامه.
يبدو أن ثمانية أشهر من تلك الحرب، كانت كافية للحصول على ما يمكّن إيران من إعادة بناء قوّتها.
لا يخجل ترامب، ونتنياهو من ترديد الادعاءات بأنهما دمّرا البرنامج النووي الإيراني، رغم أن وقائع الحرب تقول على نحوٍ واضح غير ذلك.
هذا الصمود ترك المخطّطين في حالة إرباك واضح، فالأهداف غير واضحة، وغير محدّدة، علاوة على أن الحرب استمرّت أطول ممّا اعتقدوا وخطّطوا دون أن تحقّق أي هدف، سوى انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي وتداعياتها على أهل المنطقة.
يطلق ترامب تهديدات فارغة، مرّة بالقدرة على فتح مضيق هرمز من خلال مرافقة السفن، ومرة من خلال القوة العسكرية، ومرّات من خلال استجداء مشاركة آخرين، وإقامة حلف ذي طابع عسكري لفتح المضيق بالقوة.
ولكن إيران ظلّت على موقف واحد وهو أن المضيق غير مغلق، ولكن لا يمكن مرور أي ناقلة إلا بالتنسيق مع السلطات الإيرانية.
العجز الأمروإسرائيلي، دفع ترامب إلى تحفيز الوسطاء من أجل إقناع إيران بالعودة إلى المفاوضات. ثمة بالتأكيد أسباب أخرى جعلت ترامب يتجه إلى هذا المسار، فبالإضافة إلى الفشل فإن هناك ثمّة حسابات داخلية لها علاقة بالانتخابات النصفية، وثمّة ضغوطات من قبل دول الخليج والعربية السعودية، وعوامل أخرى.
يبدو أن إيران حذرة جداً من أن تكون الدعوة للمفاوضات مجرّد خديعة أخرى، ولذلك فإنها لا تطلبها، فضلاً عن أنها تطرح شروطاً بالتأكيد هي غير التي وقفت عليها خلال مفاوضات مسقط وجنيف.
إيران في موقف قوّة، ما يدفعها إلى رفض التفاوض مع جاريد كوشنر وويتكوف، وتطلب تحديداً نائب الرئيس الأميركي.
إذاً، هي مفاوضات تحت النار، فإن لم تكن قصة المفاوضات قد تمّت بتنسيق أمروإسرائيلي ما يعني أنها خديعة، فإن دولة الاحتلال لا ترغب ولا مصلحة لها في وقف الحرب العدوانية طالما أنها تتكئ على انخراط أميركا فيها.