بقلم رجب ابو سرية

إسرائيل بين وجهتين متعاكستين

نشرت في 30 أكتوبر 2026 12:00 ص

بقلم رجب ابو سرية

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/437254



 

بعد إغلاق صناديق الاقتراع في إسرائيل أعلن عن نتيجة العينة الانتخابية، وكانت مقاربة كما كانت توقعت استطلاعات الرأي طوال الفترة الماضية، مع مفاجأة خاصة بالعرب، وكان رد فعل المعارضة سريعاً، حيث احتفلت بالفوز، لكن لوحظ أن هناك تبايناً في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تناقلت النتائج الأولية، حيث انفردت القناة 12 دوناً عن القنوات الأخرى بمنح ائتلاف نتنياهو تفوقاً كبيراً على منافسه، فيما منحت القنوات الأخرى تقدماً طفيفاً كان عبارة عن مقعدي كنيست، للمعارضة بواقع (52 - 50)، كما لوحظ رد فعل الرئيس الأميركي الذي تدخل في الانتخابات الإسرائيلية، كما يفعل في أميركا اللاتينية، فنجح في كولومبيا وفشل في البرازيل، حيث قال إنه لولا دعمه نتنياهو لكان تعرض لهزيمة قاسية، لكن بفضله، ها هو يحقق نتيجة جيدة، قد تؤهله للبقاء رئيساً للحكومة الإسرائيلية. 
هذا هو مربط الفرس، رئاسة الحكومة الإسرائيلية، لكن قبل ذلك، حدث أمر غريب، تمثل بتراجع النتيجة، بعد فرز نصف أصوات المقترعين، حيث انتقل التفوق من المعارضة (52 - 50) إلى تفوق للائتلاف (53 - 48)، ورغم ذلك لم يتغير واقع الحال شيئاً، ذلك أن عقدة المنشار هذه المرة تمثلت في أعضاء الكنيست العرب، بعد أن صوت الوسط العربي، بنسبة تقترب كثيراً من نسبة التصويت العام، الذين حصلوا على نحو (19) مقعداً، ورغم أن هذا الرقم يبقى أقل من نسبة ناخبيهم من مجمل جمهور الناخبين الإسرائيليين، وهي 18% تعني ما بين 21 - 22 مقعداً، على كل حال، لم يتغير الأمر كثيراً، كما أسلفنا بالنسبة لمعسكري التنافس الانتخابي، هذا على اعتبار أن أعضاء الكنيست العرب، خارج الصندوق، والمعسكر الذي يمكنه أن يشكل الحكومة لا بد له أن يجمع الرقم السحري، وهو 61 من بين 120 عضو كنيست، مع إخراج العرب يصبح مطلوباً جمع 61 من بين 104 - 102، ولهذا ولآن كلا الطرفين، الأول بخمس قوائم، والثاني بأربع غير قادرين على تحقيق هذا، لذلك يبدأ مسلسل السيناريوهات العديدة للبحث في تشكيل الحكومة.
أياً يكن الأمر، فإن النتيجة أولاً تعتبر هزيمة للائتلاف الذي حقق في الانتخابات السابقة أغلبية صريحة بقوائمه الخمس، وكان (64) مقعداً، فيما حقق منافسوه (46) فقط والعرب فازوا بعشرة مقاعد، ثم أضاف الائتلاف أربع مقاعد أخرى بعد عام تقريباً حين انضم إليه حزب «أمل جديد» بزعامة وزير الخارجية جدعون ساعر، وهكذا استند الائتلاف لقاعدة برلمانية قوية، وأمضى السنوات الأربع دون مشكلة، رغم أنه أمضاها في حرب على القضاء أولاً ثم على الشرق الأوسط كله تالياً، وخسارة الائتلاف لا تعني فوزاً تلقائياً للمعارضة، فهي تمنع بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة يمينية قوية، كما قال وطالب في دعايته الانتخابية لتواصل تحقيق هدف إسرائيل الكبرى، ومن ثم تضعه في موقف صعب، بين خيارات ضيقة، منها، تشكيل حكومة وحدة مع الخصم، أو إجراء انتخابات جديدة، تدخل إسرائيل في نفق الشلل الذي مرت به من قبل خلال عامي 2019 - 2021 حين أجرت أربع انتخابات كنيست خلال عامين فقط، أو الشراكة مع العرب. 
نتنياهو، ليس أمامه إلا أحد خيارين لا ثالث لهما، أولهما الذهاب لحكومة وحدة وطنية، أو العودة للانتخابات، والبقاء رئيس حكومة تسيير أعمال، كما كان حاله خلال فترة 2019 - 2021، وطبعاً هو يستحيل عليه بالمطلق أن يفكر بشراكة مع إحدى القائمتين العربيتين، ليس لأنه شن حرب الدعاية الانتخابية عليهم، وكان آخرها اتهامهم بسرقة الانتخابات، وليس بسبب شركائه في اليمين المتطرف، ولكن لأن ذلك بالجوهر يتناقض مع مشروعه بإقامة إسرائيل الكبرى، الذي تابع التحضير له منذ أكثر من ثلاثين سنة، أما خيار حكومة الوحدة، وهو الخيار الذي يضغط من أجله كل من إسحق هيرتزوغ رئيس الدولة، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإنه يتطلب أن يضحي بشركائه الحريديين، لأن كل أحزاب المعارضة أجمعت ضد الاستمرار في إعفائهم من التجنيد، كذلك تطالب أحزاب المعارضة، خاصة حزب جادي آيزنكوت «يشار»، ويطالب كل من ترامب والأوروبيين بإخراج أحد شريكي نتنياهو من اليمين المتطرف، بالتحديد إيتمار بن غفير من الحكومة القادمة. 
نتنياهو الذي ضاقت عليه الخيارات، وهو يتقدم في السن، وملاحق من القضاء، ومطارد من شبح 7 أكتوبر، قد يضحي ببن غفير، وصحيح أنه يمكنه أن يحصل على المقابل، كأن يكون إخراج يائير غولان زعيم حزب الديموقراطيين مقابل إخراج بن غفير، مثلاً، حتى تتوازن حكومة الوحدة، التي من المستحيل أن تقتصر على الحزبين الأكبر (الليكود ويشار) لأنهما وحدهما لا يجمعان الرقم السحري (61) نائباً، ويبقى الأهم بالنسبة لنتنياهو هو مستقبل مشروعه السياسي، الذي غامر وألقى من أجله بكل شيء في السنوات الأربع السابقة، وما زال يأمل في تحقيقه خلال العامين الأخيرين المتبقيين من بقاء ترامب في البيت الأبيض.
أي أن برنامج الحكومة القادمة سيكون هو الأهم بالنسبة لنتنياهو، أما المعارضة، فرغم أن خياراتها أفضل، إلا أن أمر تشكيل الحكومة ليس سهلاً، بل يكاد يكون شبه مستحيل، فحكومة الوحدة، ممكنة ليس فقط بشرط إخراج الحريديين وبن غفير منها، بل وبإخراج نتنياهو نفسه منها، ذلك أن المعارضة منذ العام 2021 وهي ترفع شعار إسقاط نتنياهو شخصياً، وبالتالي الدخول في حكومة شراكة معه، بالتناوب حتى لو كان نتنياهو هو رئيس الحكومة في الفترة التالية، نظراً لأن أحداً من قادة المعارضة لا يمكنه أن يكرر خطأ بيني غانيتس السابق مع نتنياهو المخادع، سيكون بمثابة إقرار بعدم الفوز، إن لم يكن بالهزيمة، أما اللجوء لانتخابات جديدة، فهو خيار أسوأ للمعارضة مما هو لنتنياهو، لأنه إذا كان يبقي نتنياهو رئيساً لحكومة تسيير أعمال، فإنه لكلا الطرفين يعني البقاء في الدائرة المفرغة، لأن أحد الطرفين لن ينجح في تحقيق ما بات مستحيلاً وهو الفوز بأغلبية (61) مقعداً من بين 100 مقعد تقريباً، مع حقيقة كون العرب يفوزون بما يقترب من نسبتهم من جمهور الناخبين. 
يبقى الخيار الذي يمكن للمعارضة أن تتعاطى معه، وإن بالكثير من التردد، وهو الشراكة مع العرب، هنا لا بد من ملاحظة أن العرب عبارة عن قائمتين، سبق للمعارضة أن أشركت إحداهما، وهي القائمة العربية الموحدة في حكومتها البديلة التي كانت برئاسة نفتالي بينيت ومن ثم يائير لابيد، لذلك لو كان يمكن لمعسكر المعارضة أن يصل لأغلبية (61) مع العربية الموحدة فقط، لكان ذلك أسهل قليلاً، لكن مع تعذر ذلك وحاجته للقائمتين معاً، ولو من خارج الحكومة، فإن ذلك سيقابل بتباينات في الموقف بين أحزاب المعارضة الأربعة، وإذا كان حزب الديموقراطيين قد طالب بذلك الحل علناً، فإنه يمكن القول إن كلاً من يشار(آيزنكوت) ومعا (بينيت ولابيد) يمكنهما أن يوافقا على مضض، بينما إسرائيل بيتنا (أفيغدور ليبرمان) سيعارض بشدة. 
إسرائيل إذاً في مفترق طرق حاد للغاية، والأمر ليس تقنياً أو فنياً ولا حتى سياسياً عابراً، بل يحدد هوية وطبيعة الدولة من جذورها، وعلينا هنا أن نستذكر آخر حكومة يسار عبّرت عن دولة إسرائيل الليبرالية ذات الطابع الغربي، القابلة للتعايش، على أساس الأمن مقابل السلام، والأرض مقابل السلام، وصولاً لحل الدولتين، التي وقعت اتفاق أوسلو، وكانت برئاسة إسحق رابين وشمعون بيريس، ومشكلة من حزبي العمل وميرتس، اللذين هما اليوم حزب الديموقراطيين، بشبكة أمان خارجية من العرب، وذلك مقابل آخر حكومة مشكلة من الليكود بالشراكة مع حزبي المستوطنين، بن غفير وسموتريتش، دعاة إسرائيل الكبرى، والتهجير والضم، باختصار ائتلاف أحزاب يمين الوسط، أو الأحزاب المعبرة عن دولة قرار التقسيم، بمؤسسات الدولة العميقة من قضاء وأجهزة أمن، ومن جمهور مدن الساحل الصناعية، تل أبيب وحيفا وحتى نتانيا، مدعوماً من العرب، مقابل أحزاب إسرائيل الكبرى ممثلة بالليكود الجانح نحو اليمين بقيادة نتنياهو، وبالشراكة مع حزبي المستوطنين، هذا هو مفترق الطرق، وهنا تكمن عقدة المنشار. 
أي أن إسرائيل أمام أن تختار العودة لدولة المواطنة، غير العنصرية، القائمة على الشراكة بين اليهود والعرب، وبين الدولة الساعية لإسرائيل الكبرى، دولة الاحتلال والعنصرية، وشن الحروب، وباعتقادنا فإن إسرائيل عاجزة داخلياً عن تجاوز هذه المحطة، لأن ذلك قد يؤدي إلى حرب أهلية، ولأن نتنياهو فشل في تحقيق النصر الخاطف والصريح طوال ثلاث سنوات، فإن ما يحسم هذا التوازن هو العامل الخارجي، وإذا كان محور المقاومة، قد صمد طوال 3 سنوات، فإن الاصطفاف الإقليمي وآخره لقاء طهران بين إيران وحلف مكة، كذلك فشل ومن ثم خروج ترامب من البيت الأبيض، يغلق طريق لنتياهو المصر على  السير على طريق إسرائيل الكبرى، هذه الوجهة الخارجية هي التي تحدد مستقبل إسرائيل، وهي ستتضح مع نتائج الانتخابات النصفية الأميركية