بقلم اكرم عطااللة

إسرائيل ما بعد الحرب... هل ولدت لحظة سياسية ؟

نشرت في 21 يونيو 2026 10:59 ص

بقلم اكرم عطااللة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/431731



 

عبر الحروب تتم هندسة التاريخ وصناعة التحولات الكبرى. فالحروب تفتح عادة على عهود جديدة، ويشير المؤرخون إلى ما قبل الحروب وما بعدها كفواصل بين أزمنة لا تشبه نفسها حين تفرض وقائع جديدة تحددها عوامل حجم النار والجغرافيا التي دار عليها مسرح العمليات والمنتصر والمهزوم .... هكذا يكتب التاريخ.
صحيح أن نتائج الحرب الأخيرة على إيران لا تشبه نتائج كل الحروب، فلا أحد من أطرافها انتصر وكذلك لم ينهزم أحد فلا إيران انتصرت لكنها لم تنهزم ولا الولايات المتحدة انهزمت لكنها لم تنتصر، وكذلك إسرائيل لا نصر ولا هزيمة لكن خصوصية تلك الدولة التي جَنّدت وحرضت وأشعلت وانطلقت بالضربة الأولى لتغير وجه الشرق الأوسط في محاولة تبسيطية لإعادة هندسته يشوبها جو من الإحباط الذي يشبه مناخات أقل قليلاً من الهزيمة يعبر عنه النقاش العام العاصف في الدولة وحجم الغضب من الاتفاق، والذي استدعى من نائب الرئيس الأميركي أن يرد بهذا الشكل الذي يحدث لأول مرة في تاريخ العلاقة بين الدولتين ليقول للإسرائيليين: «نحن من يحميكم» بعد أن كانت تلك اللازمة تقال للعرب وللعرب فقط.
لكن الأمر أبعد من حرب لم تكسبها إسرائيل لتفرض وقائعها كما اعتادت، بل حرب توقفت لتدفع إسرائيل للوراء دون أن تساهم بترتيبات النهاية بعد أن خرجت للحرب كي تضع تفاصيلها.
وفي هذا ما يمس بصورة الدولة التي قامت على الردع وعرفت نفسها بأنها الأقوى في الشرق الأوسط وتلك كان لها تعبيراتها في علاقتها بالمنطقة.
وهو ما اختصره المحلل السياسي لجريدة معاريف ألون بن دافيد حين قال: «لسنوات طويلة كانت إسرائيل القوة التي سعت جميع دول المنطقة لاستمالتها ... وسعت إلى التقرب منها وإن لم يكن علناً، لكن مذكرة التفاهم تحوّل دول المنطقة بعيداً عنا نحو إيران باعتبارها القوة المهيمنة في المنطقة التي يجب احترامها واسترضاؤها».
هذه الحرب لا تشبه ما بعدها، فقد اعتادت إسرائيل في عقودها الأخيرة القتال ضد ما أطلق عليها الأمن الإسرائيلي منظمات لا دولانية مثل حماس وحزب الله وجبهة تحرير الشام قبيل أن تصبح سلطة دمشق، وهذه المنظمات شاغلت إسرائيل بما فيه الكفاية، وإن كان حزب الله تمكن سابقاً من إهانتها مرتين الأولى حين خرجت ذات ليلة في عام 2000، ومرة قبل عقدين حين أخفقت القوة في دخول لبنان لتكون تلك فاصلة في عمل الأمن والاستخبارات فتصب جهودها لعشرين عاماً نحو الحزب فتنجح في توجيه تلك الضربات وتتمكن من دخول لبنان، لكن هذه أول حرب تخوضها إسرائيل منذ عقود ضد دولة لتحصد هذا الفشل.
هل أطفأت هذه الحرب وهج إسرائيل في المنطقة كما قال بن دافيد ؟ لا شك في ذلك. فمن سيتعاطى مع إسرائيل كدولة قدمت نفسها منذ عقود باعتبارها الدولة الوحيدة القادرة على الإطاحة بالنظام الإيراني وتقديم خدمات الحماية للعرب من النظام الإيراني بعد أن كشفت هذه الحرب مع إيران أن إسرائيل كانت بحاجة لمن يحميها، ولم تتمكن حتى الولايات المتحدة كقوة كاسحة من تأمين تلك الخدمة.
وهنا ستطرح أسئلة أخرى لكن الصورة أظهرت ما هو أبعد من انكشاف لمكانة وقوة إسرائيل في المنطقة وهو ما ستستفيد منه دول كبرى مثل مصر وتركيا والسعودية.
فقد أثبتت الحرب أن سلاح الطيران الذي بنته إسرائيل وتفاخرت به باعتباره الذراع الأقوى وأداة النصر لم يحقق مهمته، وأن سلاح الصواريخ قادر على إحداث توازن في المعارك الكبرى، فلم يعد الأمر بحاجة إلى دبابات وطائرات وميادين وجنود يتقابلون في الميدان، ولم يعد الأمر بحاجة للتكنولوجيا الأميركية التي تتحكم بالتقنيات الملاحية وغيرها بل يكفي علم الصواريخ.
وهذا تملكه دول مثل مصر وتركيا وقد أثبت فعاليته في كسر شوكة إسرائيل وإحداث توازن وتحقيق تلك النهاية التي شكلت كابوساً لإسرائيل «هكذا تشي ردود الفعل».
لقد كشفت مغامرة نتنياهو وطمعه الزائد الدولة التي يقودها لتظهر دولة ليست بتلك القوة التي كانت متخيلة إذا ما واجهت دولة حقيقية، وليست الدولة التي تلعب دوراً في شكل المنطقة وترتيباتها فالأمر أكبر منها ومن تخيلاتها، بل وأبعد من ذلك لم تضع هذه الحرب حلاً لصراعات إسرائيل في المنطقة وهو ما يمكن أن يلتقطه العالم في ذروة الضعف الإسرائيلي لفرض واقع سياسي.
وبإمكان ترامب فعل ذلك فالحروب الكبرى تنتج حلولاً كبرى.
وهنا دور الفلسطينيين والعرب لالتقاط اللحظة لإقناع رئيس مثل ترامب بأن لديه فرصة لدخول التاريخ وهو الحلم الذي يداعبه، مستغلين لحظة انكشاف إسرائيل ويصبح أكثر إغراء بعد انتكاسته في إيران وما دفعه إليه نتنياهو.
بجملة واحدة عبر تامير هايمن رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق عن واقع اللحظة حين قال: «لو كنا نعلم أن نهاية الحرب مع إيران ستكون هكذا لكان من الأفضل عدم البدء بتلك الحرب أبداً».
لكن التاريخ لا يعرف المزاح ولا يعود للوراء بل طمع نتنياهو حين أغراه ضرب حماس وحزب الله والدخول البري إلى غزة ولبنان ووقف الحرب في المنطقتين بشكل مهين، ولو توقف حينها لكان الأمر مختلفاً لكنه ذهب بعيداً نحو إيران ليجني تلك النهاية وهي ما ستكتب في الصفحة الأخيرة من سيرته، بينما كان يريد دخول التاريخ كأهم رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل.