نشرت في 25 أغسطس 2026 10:07 ص
https://khbrpress.ps/post/434380
أُعلن قبل أيام عن نية حركتَي حماس والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في حركة فتح، والملتقى الوطني الديمقراطي وألوية الناصر صلاح الدين، وغيرهم، تشكيل ائتلاف انتخابي سياسي واسع لخوض الانتخابات النيابية الفلسطينية المقبلة، فيما تدرس شخصيات وحراكات شعبية وفصائل، بينها الجبهتان الشعبية والديمقراطية والمبادرة الوطنية، إمكانية الانضمام إليه. وقد يفاقم هذا الائتلاف، إذا تشكل، الانقسام الفلسطيني، إذا تحوّل إلى مجرّد اصطفاف انتخابي في مواجهة حركة فتح، لكنه قد يفتح، في المقابل، نافذة أمل إذا تطوّر إلى توافق وطني أوسع حول كيفية مواجهة المخاطر والتحدّيات التي تهدد الجميع.
وقع خبر الائتلاف كالصاعقة على حركة فتح الرسمية، لأنه يربك الحسابات الانتخابية التي كانت تراهن على إمكانية تحقيق الفوز من خلال قائمة تضم فصائل منظّمة التحرير، فالانتخابات في هذه الحالة قد تتحوّل من وسيلة للشراكة وتجديد الشرعية إلى معركة حامية هدفها الحسم والمغالبة. ولا مبرّر، في المقابل، للنظر إلى تحالف "حماس" والتيار الإصلاحي (محمد دحلان) باعتباره أمراً مستحيلاً أو غير طبيعي، فالسياسة لا تقوم على الصداقة أو العداء الدائمَين، وإنما على المصالح المتغيّرة، وقد شهدت العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الماضية تطورات متدرجة من التعاون الاجتماعي والإنساني إلى التنسيق السياسي. وقد بدأت بذور التعاون بين الجانبَين على هامش ورشة في القاهرة هدفت إلى إنهاء الانقسام، إذ اتُّفق على تشكيل جمعية للتكافل الاجتماعي وجبر الضرر للعائلات التي فقدت أبناءها خلال الاقتتال الفلسطيني، بهدف منع استمرار دائرة الانتقام والثأر. ثم توسّع التعاون إلى المجالَين، الاجتماعي والاقتصادي، ولاحقاً إلى تسهيل دخول المساعدات إلى قطاع غزّة، بما فيها مساعدات إماراتية.
تحتاج فلسطين تغييراً عميقاً في الرؤية والمقاربة والأداء، وإلى توافق وطني قادر على مواجهة المخاطر وحماية الشعب والقضية والحقوق الوطنية
ومع الوقت، انتقل التعاون إلى مستوى سياسي أكثر وضوحاً، خصوصاً بعد اللقاءات التي عقدها يحيى السنوار ومحمد دحلان في القاهرة عام 2017، وأفضت إلى تفاهمات حول ترتيب البيت الفلسطيني وتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزّة وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ورغم أن هذه التفاهمات لم تستمر، فإنها كشفت مبكّراً إمكانية وجود تقاطعات بين الطرفَين، رغم التاريخ الصعب للصراع بينهما. وتعزّزت هذه التقاطعات بعد 7 أكتوبر (2023)، مع استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية في غزّة، وفشل محاولات المصالحة الفلسطينية المتكرّرة، من اتفاق القاهرة إلى لقاءات الدوحة والشاطئ والجزائر وموسكو والعلمين وصولاً إلى إعلان بكين، كما ساهم التفرّد في اتخاذ القرار الفلسطيني، وعدم التشاور مع القوى السياسية والمجتمعية، في دفع عدة أطراف إلى البحث عن مساحات مشتركة خارج الإطار الرسمي.
... كانت القيادة الرسمية تراهن على أن الظروف مواتية لإجراء انتخابات تستطيع حركة فتح من خلالها تجديد شرعيتها، مستفيدة من تراجع شعبية خصومها، وضعف "حماس"، ومن إمكانية عدم مشاركة بعض القوى أو عدم السماح لها بالمشاركة. لكن التطورات جاءت عكس التوقعات، فقد قرّرت حماس المشاركة في الانتخابات، ثم بدأت الاتصالات لتشكيل ائتلاف واسع، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع ملموس في شعبية القوتَين الرئيسيّتَين.
وفي الوقت نفسه، تواجه السلطة والقيادة الرسمية أزمات سياسية ومالية وتنظيمية متراكمة، في ظل التوسّع الاستيطاني والضم التدريجي والاعتداءات المتزايدة، واستمرار حرب غزّة، والأزمة المالية للسلطة، وتراجع قدرتها على دفع الرواتب كاملة، وتراكم الديون، إلى جانب تداعيات المؤتمر الثامن لحركة فتح واحتمال ظهور قوائم فتحاوية متعدّدة. وهكذا، لم يعد مضمون المشهد الانتخابي كما كان متوقعاً. بل بات احتمال التأجيل قائماً بقوة، خصوصاً في ظل الرفض الإسرائيلي لأي انتخابات يمكن أن تنتج مجلساً تشريعيّاً موحّداً للضفة وغزّة، وتعيد تجسيد وحدة الشعب الفلسطيني ومؤسّساته. وقد تجد القيادة ذريعة جديدة للتأجيل، من خلال عدم قدرة لجنة الانتخابات على العمل بحرية في غزّة أو المناطق المصنّفة "ج"، أو بسبب الاعتقالات ومنع المرشّحين والمراقبين، أو أي عرقلة إسرائيلية أخرى.
وفي ظل الأنباء عن توجه وفد فتحاوي إلى القاهرة، تبدو القيادة الرسمية وكأنها بدأت تدرك أن الحسابات الانتخابية تغيّرت، فالمهمة لا تقتصر على إقناع فصائل منظّمة التحرير بالانضمام إلى قائمة موحدة، وإنما تشمل أيضاً محاولة منع تشكل ائتلاف انتخابي واسع، وربما البحث عن تفاهم مع "حماس" والتيار الإصلاحي. وفي حال تأجيل الانتخابات، قد تتغيّر الحسابات أكثر، خصوصاً إذا طرأت تحوّلات على الساحة الإسرائيلية. لكن الانتخابات، حتى في هذه الحالة، ستبقى مرتبطةً بسؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني وبالعلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير وأي ترتيبات جديدة تخصّ قطاع غزّة.
أما فصائل اليسار الفلسطيني، فتبدو أمام خيارات صعبة: الانضمام إلى الائتلاف الواسع، أو المشاركة في قائمة منظمة التحرير، أو تشكيل قائمة يسارية ديمقراطية مستقلة. لكن وزنها الانتخابي المحدود وفشل محاولات توحيد اليسار سابقاً يجعلان خياراتها ضيقة. وقد تجد بعض هذه الفصائل أن الانضمام إلى قائمة واسعة تهدف إلى إنهاء التفرّد والانقسام أكثر جدوى من خوض الانتخابات منفردة.
تواجه السلطة والقيادة الرسمية أزمات سياسية ومالية وتنظيمية متراكمة، في ظل التوسّع الاستيطاني والضم التدريجي والاعتداءات المتزايدة، واستمرار حرب غزّة
في النهاية، القضية الفلسطينية تمرّ بمرحلة مصيرية، فالشعب الفلسطيني يواجه الإبادة والتهجير والضم والاستيطان والفصل العنصري واعتداءات الاحتلال والمستوطنين. لذلك؛ لا ينبغي أن تتحوّل الانتخابات إلى غاية بحد ذاتها. إنها يمكن أن تكون أداة مهمة لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي، لكنها لا ينبغي أن تكون وسيلة لحسم الصراع الداخلي أو إقصاء طرف لمصلحة طرف آخر. والمطلوب ليس انتخابات تعيد إنتاج الانقسام، ولا انتخابات لتجديد شرعية طرف على حساب آخر، وإنما انتخابات تكون جزءاً من عملية وطنية أوسع لإعادة بناء النظام السياسي على أساس الشراكة والديمقراطية، وإنهاء التفرد والانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير ومؤسّساتها على أسس تمثيلية. لذلك؛ ليس السؤال الحقيقي: من سيفوز في الانتخابات؟ وإنما: أي انتخابات نريد، ولأي هدف، وفي إطار أي مشروع وطني فلسطيني؟
وإذا تشكل الائتلاف الانتخابي الواسع، لا ينبغي النظر إليه أنّه مجرد تحالف لإقصاء حركة فتح والرئيس محمود عباس، بل بوصفه مؤشّراً على تحولات أعمق في الخريطة السياسية الفلسطينية. وقد يكون بداية لإعادة تشكيل النظام السياسي، أو مجرّد ائتلاف انتخابي ينتهي بانتهاء الانتخابات. والفارق بين الاحتمالَين يتوقف على قدرة القوى المشاركة على تحويل مصالحها الانتخابية المشتركة إلى رؤية سياسية مشتركة، والتعامل مع الانتخابات وسيلة لإعادة بناء النظام السياسي لا مجرّد معركة على المقاعد والسلطة. والمفارقة أن الفريقَين المتنافسَين قد يلتقيان، بدرجات مختلفة، على التركيز على إدارة الأوضاع الحياتية وتطبيق ترتيبات خطة ترامب وتأجيل الأفق السياسي، فيصبح التنافس على من يفوز ويحكم، بدلاً من التنافس على أي مشروع يستطيع إنقاذ القضية الفلسطينية.
لا تحتاج فلسطين إلى تغيير وجوه بوجوه، وإنما إلى تغيير عميق في الرؤية والمقاربة والأداء، وإلى توافق وطني قادر على مواجهة المخاطر وحماية الشعب والقضية والحقوق الوطنية.