نشرت في 04 أغسطس 2026 10:17 ص
https://khbrpress.ps/post/433487
بين «تدمير» إسرائيل كدولة وكيان ومجتمع، بفعل قوة عسكرية، سواء كانت منظمة عسكرية، أو دولة لديها قدرات عسكرية، كما سبق وأن أدعت إسرائيل ذلك في العديد من المناسبات، بل وطوال عقود طويلة مضت، وبين «تفكك» داخلي، يغيّر من طبيعة الدولة التي هي غير طبيعية، مثل الكثير من الكيانات التي نشأت في غير مكان من العالم، في ظروف معينة، بون واسع وفارق كبير، تسقطه عادة آلة الدعاية الإسرائيلية عن سابق إصرار وترصد، وبشكل واع، بل ومدروس، لتحقيق أهداف أقل ما يقال فيها إنها خبيثة، تبرر ما شنته من حروب خلال أكثر من ثمانية عقود مضت، أي منذ إعلان قيامها، وحتى منذ ما قبل ذلك، إلى الآن.
ولأن إقامة إسرائيل كانت تعبر عن رغبة غربية بالدرجة الأولى، تبنتها دول الحلفاء، خلال الحرب العالمية الأولى، وبدأت بتنفيذها بين الحربين العالميتين، وبدافع من تفاصيل عديدة، لكنها كانت كلها مترافقة، إن لم يكن دافعها الرئيس استعمارياً، فقد كانت مترافقة بظروف الحروب العالمية، الأولى والثانية وكذلك الحرب الباردة، ولم يكن قيام إسرائيل بالمطلق ناجماً عن حركة تحرر، كما كان حال الغالبية الساحقة لدول العالم، التي استقلت عن الاستعمار الغربي الأوروبي، بعد الحرب العالمية الثانية، بدعم من المعسكر الاشتراكي، بل إن قيام إسرائيل كان مستنداً إلى الاستعمار الغربي نفسه، المهم أن «الظهور» غير الطبيعي والصادم لإسرائيل كدولة، لم يصدم الشعب الفلسطيني، الذي كان قيامها على حساب قيام دولته، التي لم تقم على أرض الواقع حتى اليوم، رغم رغبة العالم بأسره، وحسب، لكنه صدم كل شعوب ودول الشرق الأوسط، التي نشأت كدول متفرقة بسبب خطة سايكس - بيكو الاستعمارية، التي جاء وعد بلفور الذي نشأت إسرائيل على أساسه في سياقها.
رفضت الدول العربية وشعوبها، وليس فقط الشعب الفلسطيني قيام إسرائيل، رغم اعتراف أغلبية دولية بها، وإن كان مشروطاً بقيام دولة فلسطين إلى جوارها على أساس قرار التقسيم، لذلك نشأت الحرب فور إعلان ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل، على أي حال، بدأ الادعاء الإسرائيلي بوجود تهديد عربي وجودي لها منذ ذلك الوقت، وذلك لكسب التأييد العالمي السياسي إلى جانبها، ولحث الدول الغربية على دعمها عسكرياً وسياسياً ومالياً، وبالطبع يمكن لأي دعاية سياسية أن تجد في مفردات ما مادة لها، من مثل أن «جيش» الدولة الناشئة، يحارب سبعة جيوش عربية، حيث من الطبيعي لمن يتلقى هذه المعلومة ممن لا يعيش في المنطقة أن يصدق أن سبعة جيوش هي في طريقها لتدمير دولة ناشئة، لذلك يكون رد فعله هو أن يهبّ لنجدتها.
ولم يكن «انتصار» إسرائيل الناشئة عام 1948 صدفة، أو بسبب معجزة، لكنه كان بناء على محصلة القوة العسكرية من التعداد خاصة، فالدول العربية السبع كانت ناشئة هي أيضاً، وهي لم ترسل كل جيوشها، كما أن الجيش الإسرائيلي كان مدعوماً بالسلاح والعتاد البريطاني، أي متفوقاً على خصمه ميدانياً، لذلك انتصر عليه، وكانت النتيجة أن إسرائيل التي كانت مهددة وجودياً بادعاء كاذب، احتلت نصف جغرافيا دولة فلسطين المقرة وفق قرار التقسيم.
ظلت إسرائيل تواصل ادعاءها بأن نظام عبد الناصر، وأنظمة البعث تهددها وجودياً، وكانت تطلق شعارات أحمد سعيد إلى عنان السماء، والتي كانت تقول: إن العرب ذاهبون لإلقاء إسرائيل في البحر، وكانت النتيجة هي أن إسرائيل انتصرت عسكرياً مجدداً، واحتلت أضعاف مساحة «دولتها» المعلنة عام 1948، بإضافة سيناء والجولان وكل ما تبقى من أرض دولة فلسطين، أي القدس وغزة والضفة لداخل حدودها، بعد أن بادرت هي بشن حرب، حرصت على مواصلة الادعاء بأنها استباقية، وحتى في الحرب الوحيدة التي تفوّق فيها العرب على الجيش الإسرائيلي، نقصد حرب العام 1973، لم تترك أميركا إسرائيل لتسقط، بل أنشأت فوراً جسراً جوياً يمدها بالسلاح والعتاد، الذي سرعان ما أوقف الهجوم المصري، بإحداث ثغرة الدفرسوار، بعد الاختراق المصري لخط بارليف، ولو أن الجسر الجوي لم يكن كافياً، لكان التدخل الأميركي خصوصاً والغربي عموماً قد زاد من مستواه للتدخل المباشر، بما يحول دون «تدمير» دولة إسرائيل.
الحقيقة أن إسرائيل مارست الكذب والادعاء بوجود تهديد وجودي لها إلى ما بعد العام 73، ثم صارت بعد ذلك تدعي الأمر بجوهره ولكن وفق صيغة أخرى، بعد أن صمتت جبهات الجيوش العربية، وبعد أن دخلت مصر معها في كامب ديفيد، وعجزت سورية ومن ثم العراق عن شن الحرب عليها فضلاً عن تهديدها عسكرياً، صارت إسرائيل تبرر لنفسها شن الحروب، وتنفيذ العمليات العسكرية، في لبنان وغزة والضفة، بادعاء وجود تهديد أمني، لمستوطني الشمال وغلاف غزة، مع أن إسرائيل لم تكن مهددة وجودياً، كما أسلفنا، بفضل علاقتها العضوية مع الغرب، وبعد أن امتلكت السلاح النووي منذ مطلع ستينيات القرن الماضي.
وإسرائيل الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، هذا أولاً، وثانياً هي الدولة المتفوقة عسكرياً بسلاح الجو، وبالسلاح الأميركي المتقدم، على كل دول الشرق الأوسط العربية أولاً والإسلامية ثانياً، فرادى ومجتمعة، وثالثاً، إسرائيل الدولة المحمية من قبل الغرب، وفي مقدمته أميركا أقوى دولة في العالم، التي تحميها كما لو كانت ولاية أميركية، بل وأكثر من ذلك بكثير، كيف تكون وهي على هذا الحال مهددة وجودياً؟ إلا إذا كان هذا الادعاء يهدف إلى تحقيق أهداف أخرى، تبرر لإسرائيل شن الحروب على غيرها، سواء كانوا فلسطينيين، أو عرباً من دول الجوار، أو عرباً ومسلمين من دول ما بعد الجوار؟!
ولأنها دولة استعمارية، كانت كذلك منذ فكرة قيامها حتى اليوم، فإنه يحق لها وفق منطقها، ومنطق الغرب، الأميركي خاصة، ما لا يحق لغيرها، وهي لا تكتفي بالتوصل لاتفاقيات السلام، التي تريدها دائماً اتفاقيات استسلام، والأدلة عديدة، فحتى حين تتحدث إسرائيل عن المناطق الأمنية لإبعاد احتمال تهديد سكان بلداتها الشمالية أو بلدات غلاف غزة، تراها فقط في الجانب الآخر، مع أن المناطق الأمنية عادة تكون بين الدول، لإبعاد المتحاربين عن الاحتكاك عن قرب، على أرض الطرفين وليس على أرض طرف واحد فقط، وكان هذا ضمن اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، التي نصت على أن معظم سيناء منزوعة السلاح، بينما على الجانب الإسرائيلي، يحق لإسرائيل أن تضع ما تريد من السلاح على السياج بينها وبين مصر.
والتمييز العنصري الذي هو أساس منطق الاستعمار بكل مراحله وأشكاله، يمنع عن الآخرين حقوقاً يقرها لإسرائيل، وهذا ما تتساوق معها فيه أميركا، فهما تشنان حرباً طاحنة، لم تحدث الضرر البالغ بدول الشرق الأوسط، دول الخليج العربية على نحو خاص، وحسب، بل ألحقت الضرر بالاقتصاد العالمي، من خلال شن الحرب على إيران، بدعوى أنها تسعى لامتلاك السلاح النووي، مع أن إسرائيل لديها فعلاً ما يقدر بأكثر من سبعين قنبلة نووية، ترفض حتى أن تخضع لتفتيش الوكالة الدولية، ولا يقتصر الأمر على هذا، بل وتطالب بتدمير برنامجها الصاروخي، مع أن إسرائيل تمتلك أقوى سلاح جو في الشرق الأوسط، وإسرائيل تواصل المطالبة بحق منفرد، حتى بالمقارنة مع «الحلفاء» فهي ضغطت على أميركا لمنعها من تزويد الإمارات بطائرات إف 35 التي هي لدى إسرائيل أصلاً!
والأسوأ من كل هذا هو أن إسرائيل هي الدولة التي تحتل أرض دولة فلسطين بالكامل، وتحتل أراضي سورية ولبنانية، وهي الدولة التي قتلت مئات آلاف الأبرياء من الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وصولاً إلى ارتكاب جريمة حرب الإبادة الجماعية، وهي جريمة معلّقة بعنق إسرائيل وليس فقط بعنق نتنياهو وغالانت، فهما ارتكباها وهما على رأس الدولة وباسمها، وفي ظل «دولة مؤسسات ديمقراطية»، وإسرائيل تهدد وجود كل من لا يروق لها، بل وباتت تعلن صراحة عن هدفها في السيطرة على الشرق الأوسط، بإقامة نظام إقليمي خاضع لها بالكامل، وبما يتضمنه من توسع جغرافي مؤكد، لا يكتفي بضم ما تحتله حالياً من أرض دولة فلسطين، وأراض سورية ولبنانية، بل إن إسرائيل التي تدعي أنها مهددة وجودياً، هي الدولة الوحيدة في العالم التي ما زالت دون حدود نهائية معلنة.
ولأن الصراع بين الأضداد لا يكسب من خلال الدعاية أو الادعاء فقط، فإن اليوم الذي تدرك فيه جميع دول وشعوب الشرق الأوسط، بأنه يتوجب عليها أن تضع حداً لعدوانية إسرائيل، بات وراء الباب.