اكتشاف غامض تحت صحراء العراق.. تجمع كبير لأسماك عمياء يكشف عالماً مائياً مجهولاً

نشرت في 12 أغسطس 2026 05:59 م

بغداد - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/433843

في أعماق الصحراء الغربية للعراق، كشف باحثون عن عالم خفي تحت سطح الأرض، بعد توثيق أعداد كبيرة من أسماك الكهوف العمياء العراقية في موقع جديد لم يكن معروفاً من قبل باعتباره موطناً لهذا النوع.

ويكتسب الاكتشاف أهمية خاصة بسبب المخاوف السابقة بشأن وضع هذه الأسماك، إذ أظهر مسح أُجري عام 2012، وكان أول مسح شامل للمنطقة خلال نحو ثلاثة عقود، وجود أعداد محدودة جداً منها.

ويشير العثور على تجمع كبير في موقع جديد إلى احتمال وجود موائل مائية جوفية لم تكن معروفة للعلماء، وربما تكون مرتبطة فيما بينها عبر شبكة من المياه الجوفية تسمح لهذه الأسماك بالبقاء بعيداً عن المواقع التي خضعت للدراسة في السابق.

لماذا فقدت هذه الأسماك عيونها؟

أثار ظهور الأسماك العراقية العمياء اهتماماً واسعاً، خصوصاً بسبب افتقارها إلى العيون ولون أجسامها الباهت، لكن هذه الصفات ليست ظاهرة خارقة أو استثنائية، بل نتيجة طبيعية للتكيف مع الحياة في بيئات لا يصل إليها الضوء.

ففي الكهوف المظلمة بشكل دائم، تصبح الرؤية أقل فائدة، بينما تحتاج العين والأنسجة المرتبطة بها إلى طاقة كبيرة لتكوينها والحفاظ على وظائفها. وأظهرت أبحاث علمية أن الجهاز البصري يمكن أن يمثل تكلفة أيضية ملحوظة، ما يدعم فكرة أن تقليصه قد يمنح الحيوانات التي تعيش في الظلام ميزة إضافية عندما تكون مصادر الغذاء محدودة.

وعلى مدى فترات زمنية طويلة، تكيفت بعض الأسماك مع الحياة في هذه البيئات، فتراجعت عيونها أو اختفت تماماً، بينما تطورت لديها حواس أخرى تساعدها على تحديد مواقع الغذاء واستشعار البيئة المحيطة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك سمكة "أستياناكس مكسيكاناس" في المكسيك، إذ أظهرت دراسات أن بعض تجمعاتها التي تعيش داخل الكهوف تمتلك أعداداً أكبر من مستقبلات "الخط الجانبي"، وهي أعضاء حسية دقيقة تساعد الأسماك على رصد الاهتزازات وحركة المياه، ما يعوض جزئياً عن غياب الرؤية.

كما أن فقدان البصر غالباً ما يصاحبه تغير في لون الجسم. ففي الظلام الدائم تصبح الأصباغ أقل أهمية، لذلك تتميز أنواع عديدة من أسماك الكهوف بأجسام بيضاء أو وردية أو شبه شفافة.

ظاهرة منتشرة حول العالم

رغم أن رؤية سمكة بلا عيون قد تبدو أمراً نادراً، فإن أسماك الكهوف العمياء معروفة في مناطق متعددة حول العالم.

ويعرف العلماء نحو 200 نوع موصوف من أسماك الكهوف موزعة على عدد كبير من القارات، فيما تشير بعض التقديرات وقوائم الأنواع الحديثة إلى أعداد أكبر من ذلك.

وتعد المكسيك من أبرز مناطق انتشارها، حيث تعيش تجمعات عديدة من "أستياناكس مكسيكاناس"، التي أصبحت من أهم النماذج العلمية لدراسة تطور فقدان البصر. ويتميز هذا النوع بوجود أقارب له تعيش على سطح الأرض وتملك عيوناً طبيعية، ما أتاح للباحثين مقارنة المجموعات السطحية وتلك التي تعيش في الكهوف.

وفي الصين، تنتشر عشرات الأنواع من أسماك الكهوف، خصوصاً في مناطق الكارست جنوب البلاد. ويبرز بينها جنس "ساينوسايكلوكيلياس"، الذي يضم أنواعاً بعيون طبيعية، وأخرى ذات عيون صغيرة جداً، وأخرى فقدت القدرة على الرؤية بالكامل.

كما توجد في الصومال سمكة "غارا أندروزي"، وهي من الأسماك الكهفية الشاحبة والعمياء التي تكيفت مع شبكات المياه الجوفية.

وفي إيران، القريبة نسبياً من العراق، تعيش أيضاً أسماك كهفية عمياء، من بينها "غارا تايفلوبس"، إلى جانب أنواع أخرى تكيفت مع الحياة تحت الأرض.

أما في الولايات المتحدة، فقد وصف العلماء "سمكة كهف هوزير"، التي تعيش في المياه الجوفية والكهوف بولاية إنديانا، لتكون مثالاً آخر على تطور التكيف مع الحياة في البيئات المظلمة.

وبذلك، لا يمثل الاكتشاف العراقي مجرد العثور على أسماك غريبة الشكل، بل قد يفتح نافذة على نظام بيئي جوفي أوسع لم يُدرس بصورة كافية، ويشير إلى احتمال وجود شبكة من الموائل والممرات المائية تحت صحراء العراق لا تزال تحمل كثيراً من الأسرار العلمية.

ويمنح هذا الاكتشاف الباحثين سبباً إضافياً لمواصلة استكشاف المياه الجوفية في المنطقة، خصوصاً أن وجود تجمع كبير من هذا النوع في موقع جديد قد يحمل معلومات مهمة عن تنوع الحياة تحت سطح الأرض، وقدرة الكائنات على التكيف مع أقسى البيئات الطبيعية.