بقلم: صخر الترك

العراق.. الرقم الصعب في لعبة الكبار ومفتاح خرائط المنطقة الجديدة

نشرت في 30 سبتمبر 2026 11:30 م

بقلم: صخر الترك

غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/435929

كل ما يحدث في المنطقة اليوم تقريبا يقودنا الى مكان واحد... العراق.

قد يبدو للبعض ان العراق مجرد دولة تعيش وسط ازمات سياسية واقتصادية وامنية، لكن الحقيقة اكبر من ذلك بكثير. العراق موجود في قلب كل المعادلات تقريبا، بين ايران والخليج، وبين تركيا وسوريا، وقريبا من خطوط الطاقة والتجارة، وفوق كل هذا يمتلك ثروة نفطية تجعله رقما صعبا في اي حسابات اقليمية.

ولهذا، من الصعب ان نفهم ما يجري في الشرق الاوسط من دون ان نفهم ماذا يحدث في بغداد.

العراق اليوم يقف امام مرحلة مختلفة.

الولايات المتحدة انهت وجودها العسكري في العراق بعد سنوات طويلة، وفي المقابل هناك نفوذ ايراني قوي داخل المشهد السياسي والامني، وتركيا تعيد ترتيب حضورها في الشمال، بينما دول الخليج تراقب كل خطوة عراقية لان اي اضطراب داخل العراق لم يعد شأنا عراقيا فقط، بل يمكن ان يمتد تأثيره الى المنطقة كلها.

وهنا تبدأ الحكاية.

العراق ليس مجرد ساحة صراع بين الكبار، بل هو ايضا نقطة يمكن من خلالها ان تتغير قواعد اللعبة.

من يريد ان يفهم مستقبل العلاقة بين ايران ودول الخليج، عليه ان ينظر الى العراق.

ومن يريد ان يفهم مستقبل العلاقة بين تركيا وسوريا والخليج، عليه ان ينظر الى العراق.

ومن يريد ان يفهم كيف ستتحرك طرق النفط والتجارة في السنوات القادمة، عليه ايضا ان ينظر الى العراق.

العراق يقع في المكان الذي يربط اكثر من اتجاه، ولهذا فان مشروع طريق التنمية العراقي مثلا ليس مجرد طريق سريع او خط تجارة عابر، بل مشروع يمكن ان يعيد رسم جزء من حركة التجارة بين الخليج وتركيا واوروبا، اذا استطاعت بغداد معالجة الملفات السياسية والامنية التي تعترضه.

وهنا تكمن اهمية العراق الحقيقية.

العراق يمتلك النفط، والموقع، والحدود، والعمق البشري، والتاريخ، لكنه في الوقت نفسه يحمل ارثا ثقيلا من الانقسامات والتجاذبات.

وهذا هو التناقض العراقي.

بلد يمتلك كل مقومات القوة، لكنه دفع ثمنا كبيرا بسبب الصراع على هذه القوة.

اليوم السؤال لم يعد فقط: من يملك النفوذ في العراق؟

السؤال الاهم هو: هل يستطيع العراق ان يحول موقعه ونفوذه وثروته الى قوة دولة؟

وهذه النقطة تحديدا ستكون حاسمة.

لان العراق اذا نجح في بناء توازن حقيقي في علاقاته مع ايران وتركيا ودول الخليج والولايات المتحدة، يمكن ان يتحول من ساحة تتنافس عليها القوى الى دولة لها دور في صناعة التوازن.

اما اذا بقيت الساحة العراقية مفتوحة لكل الحسابات الخارجية، فسيظل العراق يدفع ثمن صراعات ليست كلها من صنعه.

والملف الامني هنا ليس تفصيلا.

انسحاب القوات الامريكية يفتح مرحلة جديدة، لكنه في الوقت نفسه يضع مسؤولية اكبر على الدولة العراقية في حماية امنها ومنع اي فراغ يمكن ان تستفيد منه الجماعات المسلحة او تنظيم داعش. وفي المقابل ما زالت قضية السلاح خارج سيطرة الدولة واحدة من اكثر الملفات حساسية في المشهد العراقي.

اما في الشمال، فالمشهد له حساباته الخاصة.

العلاقة مع تركيا، وملف حزب العمال الكردستاني، ووضع اقليم كردستان، كلها ملفات مرتبطة ببعضها، واي تغيير في واحد منها يمكن ان ينعكس على بقية المعادلة. الاتفاق الاخير بين بغداد وانقرة حول نقل السيطرة على قاعدة باشيقة التركية الى الحكومة العراقية يعكس محاولة لاعادة ترتيب هذه العلاقة على اساس اكبر من التعاون الامني فقط.

وفي الجنوب هناك النفط.

وهنا لا نحتاج الى كثير من الكلام.

العراق من اكبر منتجي النفط في منظمة اوبك، ويمتلك احتياطيات ضخمة، ولذلك فان اي اضطراب في انتاجه او تصديره لا يبقى داخل الحدود العراقية، بل يمكن ان يصل تأثيره الى اسواق الطاقة العالمية.

لهذا السبب تحديدا اقول ان العراق هو مفتاح من مفاتيح المرحلة القادمة.

لان المنطقة تتغير.

الطرق القديمة تتغير.

التحالفات تتغير.

وموازين القوى ايضا تتغير.

ووسط كل هذا يقف العراق في المنتصف.

ليس مطلوبا من العراق ان يكون مع هذا الطرف ضد ذاك، ولا ان يتحول الى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الاقليمية والدولية.

المطلوب ان يصبح العراق عراقا اولا.

دولة تعرف قيمة موقعها، وتعرف كيف تستخدم ثروتها، وتعرف كيف تبني علاقاتها مع الجميع من دون ان تتحول الى ورقة في يد احد.

وهنا بالضبط تكمن المعادلة.

من يملك بغداد لا يملك العراق فقط... لكنه يقترب من التأثير في واحدة من اهم مفاتيح المنطقة.

ولهذا ستبقى بلاد الرافدين في السنوات القادمة تحت مجهر الجميع.

والسؤال الحقيقي لن يكون من يدخل العراق ومن يخرج منه...

بل من يستطيع ان يفهم العراق الجديد، وكيف سيتعامل معه، والى اين يمكن ان يأخذ المنطقة معه.

العراق لم يعد هامشا في لعبة الشرق الاوسط... العراق جزء من قلب اللعبة نفسها.