بقلم اكرم عطاالله

الاتــفــاق..!

نشرت في 02 أغسطس 2026 10:12 ص

بقلم اكرم عطاالله

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/433383



 

أُشبع الاتفاق الذي يتبلور حول تنحّي «حماس» مدنياً وعسكرياً عن إدارة غزة تحليلاً قبل أن يعلن، في أغرب حالة ترتبط بتعقيد الصراع وصعوبة تفكيكه وعوامل الأيديولوجيا التي توجه أطرافه.
فـ»حماس» حركة دينية فيما كل إسرائيل هي عبارة عن حالة دينية، وكانت حكومتها الحالية الأكثر وضوحاً لغطرسة الأيديولوجيا وكيف تشكل حالة مانعة للسلام والهدوء. حالة التشاؤم تسود الغزيين الذين كلما تفاءلوا تصفعهم السياسة وتستدرج لهم الحرب. وهكذا في لعبة الموت المستمرة منذ أربعة وثلاثين شهراً.
مكمن التشاؤم في نفس العقدة، عقدة الإسرائيلي والسلاح. فهل ستسلّم «حماس» كل سلاحها وتتنحى نهائياً، وهو القرار الذي يحظى بإجماع إسرائيلي وعربي ودولي.
فقد اعتادت الحركة على الحكم وتدرك أهمية حيازة ممكنات القوة في منطقة شديدة الالتباس داخلياً وخارجياً، لكن الأهم من «حماس» هو إسرائيل التي ستجد ألف سبب لتخريب الاتفاق إذا لم يتوافق مع رغباتها ومصالحها ومشاريعها. 
وما بين الصمت الرسمي وتشاؤم المحللين الإسرائيليين تكمن حالة من الضبابية لم يحسمها تصريح الرئيس الأميركي بأن «إسرائيل سعيدة بالاتفاق» فهل تناور تل أبيب؟ أم تسعى لعدم تطبيق اتفاق لم يظهر بعد؟.
الوسطاء عملوا في الشهر الأخير بشكل مكثف كأنهم في حالة انعقاد دائم؟، و»حماس» انتخبت رئيساً لمكتبها السياسي وعقدت سلسلة اجتماعات كانت تدرك فيها أن لا خيار إلا التسليم بالواقع بعد رحلة الإنكار الطويلة. فالخيارات القادمة أكثر سوءاً والذاهبون في رحلة الانتخابات خلف الحدود اعتادوا صيد الغزيين على الطريق، ولن يقبل الائتلاف الحاكم في إسرائيل ببقاء الحركة وسلاحها ولن يذهب للانتخابات وهذه هي الصورة الأخيرة في المشهد حيث تكفي لانكساره، فحرق غزة مرة أخرى أسهل له من أن يذهب بهذا الشكل، ألم يحرق الإقليم ويتسبب بإغلاق المضيق وضرب الاقتصاد العالمي من أجل أن يذهب للانتخابات بصورة من أسقط نظام إيران؟.
صمت الائتلاف الحكومي المقلق ورئيسه الذي لا يتوانى عن الإعلان عن إنجازات يثير ريبة ما، مترافقاً مع تصعيد دموي لافت على غزة يشي بعدة سيناريوهات. صحيح أن الاتفاق يلبي مصالح إسرائيل العليا حين يتم تجريد منطقة لم تتوقف عن الكفاح مثل غزة من السلاح ويحقق أهداف الحرب التي رفعتها الحكومة منذ اليوم الأول بإزالة حكم حماس وتجريدها من السلاح، لكنه لا يلبي المطلوب ائتلافياً ويحرمه من صورة البطولة التي يحتاجها قبل إغلاق الصندوق.
فعندما تم الإعلان عن وقف إطلاق النار في تشرين الأول الماضي استلت المعارضة الإسرائيلية سكاكينها ضد الحكومة متهمة إياها أثناء قيادتها للجيش بالفشل في إسقاط «حماس» وتجريد سلاحها لتستنجد إسرائيل بمساعدة قوات دولية لفعل ذلك، وهو ما لم يكن يريده نتنياهو الذي كان يتحضر لغزة بسيناريوهات يعتقد أنها ستحمله لكرسي رئاسة الحكومة من جديد: سيناريو حرب صادمة يدخل فيها ما تبقى من القطاع أو ينقل السكان للمنطقة الشرقية. هنا  مكمن القلق على الاتفاق من سلوك نتنياهو القادم.
الاتفاق سيعلن لا شك في ذلك، وهو جهد كان لا بد أن يصل لتلك النهاية متزامناً مع وصول حماس لتلك النتيجة. فلا مجال إلا بأن تقدم ما يجب من التنازلات التي تعني تحقيق إسرائيل لأهدافها. 
ودون ذلك فتستمر الحرب، هنا سيتوقف الأمر على عاملين الأول تسليم فعلي من حماس، والثاني هل هذا الاتفاق المقبول على الأمن القومي الإسرائيلي سيكون مقبولاً على نتنياهو؟ 
هنا جاءت رسالة الوسطاء وحماس التي أرسلت يوم الجمعة للرئيس ترامب تحذره فيها من نوايا نتنياهو بشن عدوان على غزة قبل الانتخابات.
فهل هذا ما يفسر الصمت الرسمي للحكومة أم أنها مناورة للادعاء بغير الموافقة لترك الباب مفتوحاً على كل السيناريوهات؟
لكل شيء نهايات. ولم يعد في غزة التي لم يبقَ منها سوى 30% والآخذة بالانحسار ما يدعو حركة حماس للتمسك بها، ولم يبقَ من السلاح سواء بثقيله كما يصفون أو بخفيفه ما يمكن مواجهة إسرائيل لسنوات قادمة بعد هذه الهزيمة. 
هكذا وصلت حماس لسلم التنازلات اللازمة التي تكفي لإنهاء الحرب على غزة، وهذا ما كان يطالبه الجميع منذ البدايات وقد تحقق، ومهم أن تنفذ بلا محاولات للالتفاف ومهم دفع ترامب الذي يرحب باتفاق كان وكلاؤه شركاء في تفاصيله لضمان التزام نتنياهو دون وضع عراقيل.
في الساعات الماضية ظهر ما يثير تساؤلات لدى المراقبين من حديث إسرائيلي بعدم الانسحاب قبل تسليم حماس لأسلحتها، وبين ما قاله الدكتور غازي حمد بأن لا تسليم للسلاح قبل انسحاب إسرائيل. 
ويدرك الجميع أن لا مجال لفرض الشروط على إسرائيل التي لن تنسحب بسهولة من منطقة تعتبر أنها ظهر منها خطر استراتيجي.
هنا سيكون تحدي الاتفاق، فإصرار الحركة على ما قاله غازي حمد ربما يقدم لنتنياهو مبرر تفجير الاتفاق والذهاب لسيناريوهات أكثر إثارة للانتخابات.
فكيف ستدار المرحلة القادمة؟ 
المطلوب من «حماس» أن تغادر المشهد مشهد الحكم والسلاح والقوة بهدوء وتخطئ إذا كانت تعتقد بغير ذلك، وأي تأخير لن يكون في صالحها أو في صالح غزة.