الكاتب: رجب أبو سرية

الاستعمار الأميركي والحرب على إيران

نشرت في 06 مارس 2026 10:11 ص

الكاتب: رجب أبو سرية

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/427446



 

بما أن إيران استطاعت الرد على الضربة العسكرية الأميركية_الإسرائيلية المشتركة، فإن ذلك يعني بأن الحرب لم تعد مجرد ضربة عسكرية خاطفة، يتحقق من خلالها الهدف الأميركي/الإسرائيلي المشترك، المتمثل بتغيير النظام، كما فعلت أميركا مع فنزويلا قبل شهرين من الآن. وبالنظر لمجريات الحرب في أسبوعها الأول، يمكن القول، بأنها قد تطول ليس لأسابيع أو أشهر كما قدر الرئيس الأميركي، بل لأكثر من ذلك، لكنها في نفس الوقت قد تتوقف بطريقة ما، ارتباطاً بعوامل عديدة، دون أن يعني وقفها، عدم تجديدها، كما حدث في جبهات لبنان وغزة، وقد يكون ذلك حتى دون الإعلان عن وقفها من مقبل الطرفين، لأن وقفها على الأرجح لن يكون وفق اتفاق بينهما، بل من قبل طرف، ولكن دون الإعلان عن ذلك كما حدث في حزيران العام الماضي، ويبقى الواضح الوحيد هو ان مصير الحرب متوقف على عوامل عديدة، أهمها بالطبع، هو ما سيحدث فيما يخص الهدف من شنها، وهو هدف إسقاط النظام الإيراني.
لا بد بادئ ذي بدء من القول، ولو أن ذلك قد تكرر كثيراً، بأن التكتيك العسكري لدى طرفي الحرب بات واضحاً، لأن هذه المواجهة ليست المواجهة العسكرية الأولى بينهما، ولن تكون الأخيرة غالباً، فالجانب الأميركي/الإسرائيلي، يبدأ المواجهة كل مرة، بقوة قصوى، معتمداً على معلوماته الاستخباراتية وتفوقه في الجو، وكذلك ما لديه من تكنولوجيا، بهدف تحقيق الهدف فوراً وفي لحظة وبشكل خاطف، أي أن الحرب بالنسبة له عبارة عن ضربة عسكرية وحيدة، وينتهي الأمر، بينما تكتيك الحرب من الجانب الإيراني يعتمد على امتصاص الضربة الأولى، ومن ثم الرد، للقول لعدوه بأن ضربته لم تحقق الهدف، ولو نظرنا إلى الوراء لنتأمل ما حدث في حرب الإثني عشر يوماً، فإننا نلاحظ أن إسرائيل بدأت بقصف مكثف في ضربة أولى اعتمدت على ما لديها من معلومات استخباراتية جمعتها منذ سنوات، وبكل ما لديها من طائرات، فيما حمت أميركا أجواء إسرائيل بمنصات «ثاد» وباتريوت، وسواهما، ثم شاركتها القصف، بعد ان تبين بأن القصف الإسرائيلي لم يخترق المواقع النووية المحصنة خاصة في «فوردو»، لترد إيران بشكل خجول وضعيف بقصف قاعدة العيديد. 
هذه المرة، تبين أن إيران استفادت من الإعداد الذي استمر أسابيع للحرب والتي من الواضح بأنها ستكون اقوى لأنها مواجهة عسكرية مع أميركا، القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكن مع تبدد عنصر الخديعة هذه المرة، وكان الطرفان حاولا إقناع ايران بأن الضربة ستكون أميركية منفردة وربما بمشاركة إسرائيلية، وذلك لمنع ايران من توجيه الرد نحو إسرائيل، مع ذلك يمكن القول، بأن الجانب الأميركي الإسرائيلي فاجأ الجانب الإيراني باستهداف المرشد علي خامنئي، في الضربة الأولى، ظاناً بأن ذلك يحسم الحرب من الضربة الأولى، ويبدو ان الأميركيين الذين بعد أن سلموا قيادهم لإسرائيل لم يسترجعوا درسها قبل عام ونيف مع حزب الله، حين اغتالوا حسن نصر الله، ولم يؤد ذلك الى انهيار فوري للحزب، الذي تمكن من الرد بقوة وصلت الى مقر وحدة الاستخبارات العسكرية 8200 في غليلوت قرب هرتسليا شمال تل أبيب، وهذا كان حال إيران، بل كان حالها أقوى بكثير، حيث كان الرد بعد ساعة فقط، وفاجأ العدو، بتكتيك اعتمد على الخديعة وعلى فرض الاستنزاف على الحرب، والخديعة تمثلت بقصف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج العربي أولاً، وهذا لأن الخصم اعتقد، بان إعلان دول الخليج بأن أراضيها لن تكون نقطة انطلاق للعدوان، يجنبها الرد، ثم استخدمت إيران الرد المتدرج، لجر العدو لحرب طويلة الأمد. 
أما لماذا ردت إيران على القواعد الأميركية في الخليج أولاً، فقد كان ذلك وفق تكتيك عسكري وبدافع سياسي أيضاً، السبب السياسي كان إظهار عدم «تطير» النظام الإيراني وفقدانه اتزانه برحيل المرشد، الذي أعلن عن استشهاده مباشرة، ولم يُخف الأمر، ومثل هذا «التطير» كان يمكن أن يظهر من خلال إلقاء إيران بكل قوتها في الرشقة الأولى من الرد، والسبب التكتيكي يكمن في أن أميركا قامت بإخلاء قواعدها في الخليج من الجنود، واعتبرتها بذلك آمنة، إضافة الى انها قدرت بأن إيران ستتردد في قصف تلك القواعد حفاظاً على «الود» مع دول الخليج، بينما نصبت منصات «ثاد» و»باتريوت» المضادة للصواريخ لحماية إسرائيل على ارضها او في الأردن والعراق بين إيران وإسرائيل، وما يظهر البراعة العسكرية الإيرانية، التي تؤهلها لمقارعة أميركا وإسرائيل معاً، ولفترة طويلة، هو ان إيران قصفت القواعد الأميركية المكشوفة تقريباً في الخليج، بصواريخها قصيرة المدى الأقل خطورة وبمسيرات رخيصة التكلفة، بينما ادخرت الصواريخ البالستية كاحتياطي عسكري استراتيجي. 
وما يزيد من أن قدرة إيران على المواجهة، بعد صمودها في المرحلة الأولى بعد امتصاص الضربة الأولى، هو ان مخزون أميركا وإسرائيل معاً، إن كان من الصواريخ المضادة للصواريخ أو حتى القنابل الضخمة محدود، بعد أن استنزفت الحرب في أوكرانيا معظم المخزون الأميركي من الصواريخ والقنابل، وكذلك استنزفت حرب الإبادة الإسرائيلية لمدة عامين المخزون العسكري الإسرائيلي والأميركي أيضاً، بما يجعل من المستحيل أن تخوض القوتان معاً او بشكل منفرد حرباً طويلة الأمد، لا مع إيران ولا مع غيرها، وربما هذا احد الأسباب التي دفعت دونالد ترامب للقول بأن الحرب مع إيران ستستمر أسابيع او أشهراً، وليس أبعد من ذلك، ولم يقل حتى تحقيق الهدف، المتمثل باستسلام إيران للإرادة الأميركية، بعد إسقاط نظامها الذي واصل العداء لكلا الدولتين منذ 47 عاماً خلت. 
الآن يتحدث ترامب عن تغيير النظام من داخله، ولم يعد يتحدث عن تغييره عبر انتفاضة شعبية، تأتي برضا شاه للحكم، اي تعيد النظام الملكي مجدداً، وهذا طبعاً أمر مضحك، ويحتاج مقالاً خاصاً أو أكثر، ذلك ان احد أسباب المعارضة الداخلية للحرب ضد إيران هو عدم وضوح الهدف، وكما كان حال بنيامين نتنياهو حين كان يسأل عن اليوم التالي للحرب في غزة، فلا يعرف ماذا يقول، وهذا هو حال ترامب اليوم، لأنه حتى لو نجح في إسقاط النظام الإيراني، فليس لديه بديل سوى الفوضى، التي قد لا تتوقف عند حدود تفتيت الدولة الإيرانية، وإشعال نار حروب الانفصال بين الأقليات والأغلبية الفارسية، في معظم أنحاء إيران، بما يعني حريقاً شاملاً يعم الشرق الأوسط وغرب ووسط آسيا. 
وإذا كان خطر حسم الحرب لصالح العدوان الأميركي الإسرائيلي المباشر، ينطوي على فوضى وحروب أهلية، فإن خطر استمرارها مع سيطرة إيران على مضيق هرمز حيث يمر خُمس النفط والغاز العالمي، بما رفع سعره فوراً بنسبة 25%، يعني بأن  ترتفع الأصوات التي تطالب بوقفها ولا تقتصر على الداخل الأميركي، ولا على دول وشعوب الشرق الأوسط، بل على المستوى العالمي، الأوروبي منه على وجه التحديد. 
واذا كان الرد الإيراني في أول ظهور له أثار لغطاً حول استهداف القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج العربي، فإن هذه الحرب تضع ملف القواعد العسكرية الأميركية ليس في الشرق الأوسط وحسب، ولكن في العالم كله، على طاولة الحوار العالمي، باعتبارها تمثل اداة السيطرة الأميركية على العالم، من حيث هي قوة تدخل ضد أي بلد، وفي أية لحظة، كما أنها مراكز تجسس على جميع الدول، ولإظهار مدى السيطرة نشير فقط إلى أن لأميركا 128 قاعدة عسكرية في 49 بلداً، منها 23 في 11 بلداً عربياً، بينما الصين بالمقابل ليس لديها سوى قاعدة عسكرية واحدة في جيبوتي، مهمتها تموين القطع البحرية الصينية، هذا ولم يسبق للقواعد الأميركية ان تدخلت لحماية بلد الإقامة من خطر خارجي، فالهدف منها هو السيطرة الأميركية على العالم، كذلك فإن هذه القواعد تخضع بالكامل للقانون الأميركي، العسكري والمدني، ولا سلطة للدولة المضيفة لا عليها ولا على من يعملون فيها.
ولا بد للعالم بأسره، وهو يسير نحو نظام عالمي اكثر عدالةً ومساواةً وأقل خطراً من النظام العالمي الأميركي، أن يسعى لإيجاد حل لهذه القواعد بما يضع حداً للهيمنة الأميركية على العالم.