بقلم اكرم عطااللة

الانـتـخـابـات ..!

نشرت في 12 يوليو 2026 11:38 ص

بقلم اكرم عطااللة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432495



الكاتب: أكرم عطا الله
 

بإصدار الرئيس محمود عباس مرسوماً لإجراء الانتخابات في الثامن والعشرين من تشرين الثاني القادم، بات الأمر أكثر جدية من أي وقت مضى، فالفلسطينيون الذين أصيبوا بالإحباط اثر إلغاء الانتخابات التي كادت تحدث عندما اتفقت الفصائل حتى على تفاصيل إجرائها لم يعودوا يأخذون الأمر على محمل الجد، فالانقسام الجغرافي والسياسي يحول دون ذلك، أما الجوكر الإسرائيلي فهو يقف مترصداً لكل محاولات الوجود الفلسطينية.
خُمس قرن على إجراء آخر انتخابات فلسطينية حقيقية جرت في فلسطين، أي خمس دورات برلمانية لم ينتخب فيها الفلسطينيون، أرأيتم خيبة تشبه خيبتنا حين تسلمنا إدارة شعبنا فإذ بنا نحرمه من أبسط حقوقه، ونصف عقد على إلغاء آخر انتخابات افتراضية، هكذا تسير الأمور في فلسطين محملة بجملة من الالتباسات التي توفر للطبقة القيادية حكماً مديداً وآمناً دون إزعاج شعبي سواء في الضفة الغربية حيث الحكم الطويل أو في قطاع غزة حيث أزمة الغزيين بانقلاب «حماس» على السلطة وطردها لتوفر لنفسها حكماً مريحاً بلا منافسة. هكذا عاشت حركتا «فتح» و»حماس» في كنف سلطتين تربعتا لعقدين تجريان انتخابات داخلية كي توفرا حياة ديمقراطية للمنتمين لهما وتلك من مفارقات الحالة الفلسطينية التي كانت تنزاح نحو البؤس قبل أن ترتطم بالجدار.
في فصل انتخابات المجلس التشريعي عن الرئاسة ما يدعو للتفاؤل بإجرائها فالمرسوم الرئاسي بات واضحاً أنه جزء من عملية مستمرة في إطار المطالب الخارجية بإصلاح السلطة والتي تكثفت بعد حرب غزة. حيث عقدت السداسية العربية اجتماعين في الرياض لهذا الهدف تمخضا عن تعيين عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» حسين الشيخ نائباً للرئيس وهو ما تم الإعلان عنه في اجتماع القمة العربية في آذار من العام الماضي ولكن يبدو بالنسبة للدول العربية والولايات المتحدة أن الأمر يحتاج لمسيرة أطول من ذلك.
الجميع يريد إصلاح السلطة، كل لأسبابه إلا السلطة نفسها، الشعب الفلسطيني والأميركيون والأوروبيون والعرب. فإدارة بايدن التي كانت تعتقد أن وضع السلطة المترهل وسوء إدارة الفلسطينيين أديا لنمو حركة «حماس» فتسبب ذلك بحدوث السابع من أكتوبر وبالتالي من أجل محاصرة حركة «حماس» لا بد من إصلاح السلطة بما يتناسب مع طموح الفلسطينيين بنظام حكم أكثر استقامة وكذلك الدول العربية تعتقد أن «فتح» قوية وموحدة وسلطة قوية وشفافة وديمقراطية يمكن أن تساهم في انحسار حركة «حماس» التي قامت بتلك المغامرة التي أدت إلى سحق غزة ووضع أهلها على حافة التهجير والأهم بالنسبة للعواصم العربية أنها شكلت تهديداً لاستقرارها بعملية السابع من أكتوبر، ووضعتها في وضع شديد الحرج أمام شعوبها حيث الاتهام بالتواطؤ والخيانة هذا إذا ما استثنينا أصلاً أن «حماس» هي امتداد لحركة الإخوان المسلمين التي تناصب العداء للنظام العربي الرسمي وتنتظر فرص إسقاطه وقد ظهر بعض القلق في الأردن من ذلك.
الانتخابات ضرورة وطنية تأخرت عن موعدها ستة عشر عاماً بسبب حداثة ممارسة الفصائل للإدارة والسياسة معتقدة أن إدارة الشعوب أشبه بإدارة خلية تفكر بنفس المنطق ويسهل قيادتها كالقطيع ومن يختلف يمكن فصله وانتهى وحين اختلفت اعتقدت أن الأمر لا يتطلب أكثر من فصل تنظيم آخر فإذ بها تفصل وطناً كاملاً لتوقعنا في مأساة كبرى لم يخرج منها الفلسطينيون بعد أو يخرجون منها محطمين ومهزومين، ولكن تنبع ضرورتها الوطنية أنها أول مظهر أو طقس يمارسه الفلسطينيون بشكل موحد بعد هذا التشتت وإن تم في ظروف قيصرية دامية لكنه ضرورة.
من قال، إن على الفصائل أن تتفق على إجراء الانتخابات؟ ومن يعطي ضمانة على أن الفصائل ستتفق وهي التي نجحت بجدارة في تسجيل أرقام قياسية في فشل جولات طويلة من المصالحة امتدت لسنوات؟. وفي الحديث على توافق الفصائل ما يشي بفقر معرفي في ممارستها لدورها بشكل سطحي، فالأصل عندما تختلف الفصائل أن تذهب مباشرة للشعب مالك الصلاحيات ولكن أن تطلب تلك الفصائل من نفسها حل مشكلة هي صنعتها، هذا يعني أنها مصابة بمرض سياسي تعتبر نفسها أنها بديل عن الشعب فهي تتفق، أما الشعب صاحب السلطة فهو مجرد تحصيل حاصل، وفي هذا استعلاء غير مقبول اتضح خلال هذه الحرب وخلال إدارتها ومغامراتها وآن الأوان لعودة السلطة مباشرة للشعب دون المرور بالفصائل فلو قدر لها أن تعترض طريقه لما وفرت فرصة.
لكن في تعقيدات الأمر ما يستدعي الاطمئنان لإجابات كانت سبباً لانتكاسات سابقة. فقبل أكثر من خمس سنوات ألغيت الانتخابات بسبب عدم القدرة على إجرائها في القدس فكيف صدر المرسوم إذا لم يحدث تغيير أو ضمانات على هذا الصعيد، هل أعطت واشنطن ضمانات لذلك؟. وهل لدى العرب الذين يريدون إجراءها في أسوأ مرحلة لحركة «حماس» قد تعرض مشروعها للانكشاف هل لديهم تلك الضمانات؟ وإذا لم تكن هل سيعلن الرئيس إلغاءها مرة أخرى؟ كل ما يمكن قوله، إن الانتخابات كإجراء هي جزء من عملية إصلاح كمسار متكامل يرفض إبقاء الحالة الفلسطينية كما هي التي أدت بترهلها إلى أزمة شاملة للإقليم والعالم ويريدون وضع حد لهذا العبث وتلك من سخريات القدر أن تجيء الانتخابات بناء على تطورات خارجية وليست كحاجة فلسطينية، ورغم ذلك فهذا سيكون أهم حدث بالنسبة للفلسطينيين لجهة توحيدهم بعد هذا التشتت والضياع.