نشرت في 14 أبريل 2026 12:15 م
https://khbrpress.ps/post/429084
أقرب وصف للجولة التفاوضية التي جرت في العاصمة الباكستانية، إسلام أباد، بين الوفدين الأميركي والإيراني، السبت الماضي، هو أنها كانت "حرب الدبلوماسية"، وذلك لأكثر من اعتبار؛ فهي جرت مباشرة بعد ثلاثة أيام فقط على إعلان وقف مؤقت لإطلاق النار، وحين يتحدث المتحاربان أحدهما إلى الآخر حتى لو عبر وسيط، فإن أحدهما أو كليهما لن يكون قد نسي بعد ما ينتابه من غضب تجاه الآخر، وفي هذه الحالة، يبدو أن الإيراني لا يشعر بانعدام الثقة نحو الأميركي فقط، بل بالغضب أيضاً؛ فهو جاء وترك وراءه آلافاً من الشهداء، يتقدمهم المرشد وقادة آخرون، كانوا قبل أيام يشاركون رئيس الوفد، محمد باقر قاليباف، وزملاءه، الحياة بحلوها ومرها، كذلك فإن جولة التفاوض استمرت لمدة إحدى وعشرين ساعة خلال يوم واحد فقط، ما يعكس حجم الضغط الناجم عن مواصلة التفاوض تحت ضغط الوقت.
وضغط الوقت، لم يقتصر على ذلك وحسب، بل لأن التفاوض كذلك يجري خلال فترة مؤقتة لوقف إطلاق النار، وهي مدة الأربعة عشر يوماً، وليس كما جرت جولات التفاوض السابقة، سواء تلك التي جرت في حزيران الماضي، أو التي جرت مطلع هذا العام، ولا حتى تلك التي جرت قبل عشرة أعوام، فهذه الجولة التفاوضية جرت والدم لا يزال حاراً، وكما لو كانت مجرد فاصل بين جولتين من الحرب، أو كما لو أنها استراحة المحارب لا أكثر ولا أقل، لذلك من الطبيعي أن تكون مشدودة، وما زاد من شدتها هو أن الطرفين دخلا إليها كخيار "لعل وعسى" دون ثقة أو توقّع بنسبة مهمة أنها ستفضي إلى اتفاق بين طرفين سبق لكليهما أن قدما شروطاً أو تصوراً أو حتى مقترحاً للحل.. كانا متناقضين، أي أنهما دخلا حالة التفاوض بموقفَين متباينَين جداً، وهذا ما يوصف عادة بوجود فجوة كبيرة في المواقف، يمكننا أن نحيلها إلى الذهنية أو العقلية التي تحكم كلا الطرفين، الأميركي والإيراني.
فالأميركي يتعامل إن كان في حالة الحرب، أو في حالة التفاوض، مع الجانب الإيراني بعقلية الدولة العظمى، التي تتعامل مع دولة صغرى، حتى لو كانت ذات حضارة قديمة، وهذا يفسر الإملاءات التي يتقدم بها المفاوض الأميركي كل مرة، وهي نفس اللغة التي يقول بها الرئيس دونالد ترامب، نقصد لغة التهديد والوعيد، ولغة التهديد عادة ما ينطق بها القوي في وجه الضعيف، بينما إيران تفاوض الأميركي بمنطق الندّ، وعلى أساس المنطق والحقوق، وإن كانت لم تعد ترى أنه من المجدي مواصلة الحديث وفق منطق القانون الدولي؛ بعد أن بات معطلاً؛ بعد ما فعله الأميركيون في فنزويلا، وفي قصف إيران نفسها العام الماضي، وهذا العام، والذي أقل ما يقال فيه: إنه مناف للقانون الدولي؛ باعتبار كل ما فعله ترامب تجاه فنزويلا وإيران اعتداءً على سيادة الدول دون أي سند أو مسوّغ قانوني، كما أن إيران قد اقتربت أكثر من منطق الند مما كانت عليه من منطق الحق والقانون، بعد أن قارعت القوة الأميركية ميدانياً وصمدت في مواجهتها 39 يوماً، إلى أن هرع ترامب لباكستان يسعى لوقف إطلاق النار.
ولأن التفاوض يعكس تماماً حالة المواجهة العسكرية على الأرض وفي الميدان، فإن ما يثبت أن واشنطن أو ترامب هو الذي سعى لوقف إطلاق النار هو الحقيقة البسيطة، التي مفادها أنه هو من بادر للحرب، ومن الطبيعي لو أنه سحق إيران عسكرياً وميدانياً لكان فرض عليها الاستسلام، كما فعل الحلفاء مع ألمانيا عام 1945، ولما احتاج وسيطاً أصلاً، وكان يمكنه أن يوقف إطلاق النار دون أن يعلن، وهو قد يفعل هذا في أي وقت، لكن يبدو أن الضغوطات في الاتجاهات المتعاكسة، كذلك استخدام سياسة العصا والجزرة التي استبدلها ترامب بسياسة "السلام بالقوة"، أو دبلوماسية الحرب، جعلته يفكر بتجريب هذا الطريق، لذلك جاء نائبه الذي يحاول أن يحمي حظوظه في انتخابات الرئاسة عام 2028، في حال حقق الإنجاز الذي يريده الناخب الأميركي، المتمثل بوقف الحرب، ولكن بتحقيق ما عجزت عنه الآلة العسكرية ميدانياً، عبر التفاوض على الطاولة.
أول ما يمكن الإشارة إليه أن هذه الجولة التفاوضية كانت أعلى سقفاً في التمثيل من سابقاتها، التي كانت تجري بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وستيف ويتكوف، الموفد الأميركي للشرق الأوسط، فمجرد أن فرضت إيران وجود جي دي فانس، نائب ترامب ليكون مفاوضها، يعني أنها نجحت في فرض منطق "الند للند" التفاوضي، لذلك رئس وفدها رئيس البرلمان الرجل القوي، الذي يعد موازياً للرئيس الإيراني نفسه في الأهمية، مع وفد ضم سبعين اختصاصياً في كل المجالات، لأنها أرادت أن تبدي جديتها في التوصل لاتفاق يضمن حقوقها المنصوص عليها في القانون الدولي، سواء في أموالها المحتجزة دون وجه حق، أو في العقوبات المفروضة عليها، أو حقها في الاستخدام السلمي لليورانيوم، أو حقها في السيادة على مياهها الإقليمية بمضيق هرمز، وليس انتهاء بحقها في الدفاع عن نفسها بصناعة الصواريخ والمسيّرات، في شرق أوسط تمتلك فيه إسرائيل السلاح النووي، وطائرات الجيل الخامس من الشبح وغيرها، إلى ما لدى دول المنطقة من أسلحة أيضاً، وليس انتهاء بحقها الطبيعي كدولة ذات سيادة في نسج علاقاتها مع الآخرين، سواء كانوا قوى المقاومة، أو الصين وروسيا.
المنطق والحق في مواجهة "البلطجة"، هكذا يمكن توصيف التفاوض بين إيران وأميركا، تماماً كما هي المواجهة العسكرية الميدانية بينهما، وإذا كانت أميركا في حالتَي الحرب والتفاوض مع إيران تفعل ذلك استناداً إلى نصرة إسرائيل أكثر مما تقوم به من "حفاظ" على ما تقول به عادة من توصيف لمصالحها التي تطال شرق الكرة الأرضية وغربها، وكأن لها وحدها حقوق "السطو" على أي شيء تريده في هذا العالم، وهناك أيضاً جانب لا بد من الإشارة له فيما جرى من تفاوض، خاصة في هذه الجولة، فقد جاء فانس معتقداً أنه يمثل الجانب الطيب من البيت الأبيض، أي الحصول على ما يريده ترامب، إن لم يكن بالحرب فبالسلم والتفاوض، لذلك كان مثيراً للاستغراب الاعتقاد أنه يمكن التوصل لاتفاق أصلاً من خلال جولة تفاوضية واحدة، خاصة أن هذه الجولة التفاوضية يبدو أنها عادت للبداية التفاوضية بين البلدين، أي أنها لم تتابع ما تم إنجازه من قبل خلال جولات التفاوض التي جرت بين عراقجي وويتكوف بالرعاية العُمانية، سواء في مسقط أو في جنيف.
ويبدو أنه من الطبيعي أن يكون هذا، أي أن يبدأ التفاوض من نقطة الصفر، لأكثر من اعتبار، أهمها برأينا أمران: الأول انعدام الثقة الإيرانية بالطرف الأميركي الذي شن عليها حرباً مرتين خلال جولات التفاوض السابقة، وما يعزز هذا عدم ترؤس كل من عراقجي وويتكوف الوفدين، والأمر الثاني، وهو الأهم، أنه كانت هناك حرب بين حالتَي التفاوض، والحرب زجت بعامل إضافي لم يكن موجوداً، أي أنها أحرقت ما كان قبلها من "تفاهمات"؛ لأن ميزان القوة التفاوضي قد اختل، أو اختلف، وللتدليل على هذا المنحى، نشير إلى ظهور بند مضيق هرمز الذي لم يكن موجوداً في جولات التفاوض السابقة.
من الواضح أن التفاوض رغم كل الحديث عن شروط ومطالبات وصلت إلى حدود بعيدة، من الجانبين، لسنا بوارد تكرارها، تركز حول بندين أساسيَّين، هما اليورانيوم المخصب، ومضيق هرمز، وبهذا المعنى، فإن الصواريخ وأعضاء محور المقاومة، لم يعودا من بنود التفاوض، ويبدو أن أميركا حاولت أن تقايض هرمز بوقف إطلاق النار، ومن ثم تفاوض على تخفيف العقوبات مقابل اليورانيوم، أما إيران، التي كانت تدرك أن ترامب يسعى لوقف النار لوقف صعود سعر برميل النفط، فقد حاولت أن تشترط وقف النار على كل الجبهات، وأن تقايض هرمز بالإفراج عن أموالها المجمدة، وفق هذه الخلفية، وفي هذا الإطار جاء وفدا البلدين، واعتقد فانس أنه يمكنه أن يعود باليورانيوم، وفق عرض شرائه، ربما من أموال إيران المجمدة، أو مما سيطالب به دول الخليج من ثمن الحرب، وكان ترامب قد أعلن مراراً رغبته في الحصول على اليورانيوم الإيراني المخصب، فهو بات يهرول إلى حيث توجد المعادن الثمينة والثروات في أي مكان من العالم.
ولأن الأميركيين قد باتوا متأكدين منذ عام 2015، حين وقّعت إيران اتفاقية (5+1)، أنها لا تسعى للسلاح النووي، لذلك ظنوا أنه يمكنهم أن يحصلوا على اليورانيوم بسهولة، مقابل الخروج من الشرق الأوسط وترك إيران تواجه إسرائيل وحدها، وهي لا تريد شيئاً آخر من إيران.