نشرت في 04 نوفمبر 2026 06:22 م
https://khbrpress.ps/post/437504
يستعد الحزب الديمقراطي الأمريكي لاستخدام أغلبيته في مجلسي الكونغرس لفرض قيود على سياسات الرئيس دونالد ترامب، وفتح سلسلة تحقيقات بشأنه وبشأن عدد من المقربين منه، على خلفية اتهامات بالفساد وتضارب المصالح وانتهاك القواعد الأخلاقية، إلى جانب السعي لعرقلة استمرار الحرب الأمريكية على إيران.
وتأتي هذه التحركات عقب الفوز الكبير الذي حققه الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي، واستعادتهم السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، ما يعيد الحزب إلى مراكز صنع القرار في واشنطن بعد عامين من وجوده في صفوف المعارضة، ويمنحه صلاحيات رقابية وتشريعية واسعة لمواجهة أجندة ترامب، ولا سيما في ما يتعلق بالحرب على إيران.
وفي المقابل، بدأ ترامب الاستعداد لمواجهة الكونغرس ذي الأغلبية الديمقراطية، الذي يتولى أعضاؤه مهامهم في الثالث من كانون الثاني/يناير المقبل، متحدثاً عن احتمال اندلاع مواجهات مع الديمقراطيين، رغم إعلانه استعداده للتعاون معهم في بعض الملفات.
وقال ترامب، في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، الأربعاء، إنه سيستخدم حق النقض "الفيتو" ضد مشاريع القوانين التي وصفها بأنها "مجنونة"، والتي سيطرحها الديمقراطيون.
وأضاف: "بعد بضعة أشهر من استخدام الفيتو، سيأتون ويسألون: كيف يمكننا إنجاز الأمور؟ وعندها سنعمل معاً".
وكان ترامب قد أطلق تصريحات مماثلة قبل يومين، خلال مقابلة مع بودكاست صحيفة "نيويورك بوست"، عندما سُئل عن احتمال سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، قائلاً: "سأصبح السيد فيتو، وفي مرحلة ما، من المرجح أن نتوصل إلى صفقة".
وتنذر هذه التصريحات بمواجهات مرتقبة بين البيت الأبيض والكونغرس، خصوصاً بشأن إقرار الموازنات الفيدرالية، التي قد تتحول إلى ورقة ضغط بيد الديمقراطيين لانتزاع تنازلات من الإدارة في ملفات مختلفة، إذ إن تعثر التوافق بشأنها قد يؤدي إلى إغلاق مؤسسات حكومية.
ورغم أن تمرير معظم التشريعات في مجلس الشيوخ يتطلب أغلبية معززة تبلغ 60 صوتاً، فإن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين تمنحهم نفوذاً أكبر في تحديد الأجندة التشريعية والرقابية، وإن ظلوا مقيدين بشرط الأغلبية المعززة لإقرار معظم القوانين، فضلاً عن احتفاظ ترامب بصلاحية استخدام الفيتو ضد التشريعات التي يقرها المجلسان.
وسبق أن أدت خلافات بشأن الموازنة خلال العام الماضي إلى إغلاق الحكومة الفيدرالية لمدة 41 يوماً، في أطول إغلاق من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة.
وتمنح السيطرة على مجلسي الكونغرس الديمقراطيين صلاحيات مهمة لمواجهة الرئيس، إذ يتولى مجلس الشيوخ المصادقة على التعيينات الرفيعة التي يجريها، بدءاً من الوزراء والسفراء وصولاً إلى القضاة، فيما يمتلك مجلس النواب صلاحيات واسعة لفتح التحقيقات ومساءلة المسؤولين وإطلاق إجراءات عزل الرئيس أو كبار المسؤولين في إدارته.
وتنتقل إجراءات العزل، في حال إقرارها من مجلس النواب، إلى مجلس الشيوخ لإجراء المحاكمة، التي يتطلب صدور قرار بالإدانة والعزل في نهايتها موافقة ثلثي الأعضاء. ولذلك، تبدو فرص عزل ترامب أو مسؤولين كبار في إدارته محدودة، إلا أن مجرد فتح هذه الإجراءات قد يسبب حرجاً سياسياً كبيراً للإدارة الأمريكية.
تحقيقات مرتقبة بشأن الفساد وتضارب المصالح
وتتصدر التحقيقات المتعلقة باتهامات الفساد وتضارب المصالح قائمة أولويات عدد من الديمقراطيين، الذين تعهدوا بمحاسبة ترامب وأعضاء في إدارته ومقربين منه على خلفية ممارسات يقولون إنها انتهكت القواعد الأخلاقية خلال العامين الماضيين.
وفي هذا السياق، وجّه روبرت غارسيا، أبرز الديمقراطيين في لجنة الرقابة بمجلس النواب والمرشح لتولي رئاستها في الكونغرس المقبل، رسالة إلى ترامب ومحيطه عبر منصة "إكس"، كتب فيها: "جهزوا محاميكم"، في إشارة إلى التحقيقات التي يعتزم الحزب فتحها.
من جانبه، أكد هاكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب والمرشح لتولي رئاسته، أن حزبه منفتح على التعاون مع إدارة ترامب في بعض الملفات، لكنه سيواجه بحزم ما وصفه بالفساد المستشري في ظل الإدارة الحالية.
وقال جيفريز: "للفساد ثمن"، مشيراً إلى مزاعم تتعلق بمنح عفو رئاسي مقابل خدمات أو امتيازات، أو تقديم شركات تبرعات مالية للإدارة بهدف الحصول على قرارات أو عقود تصب في مصلحتها.
واعتبر أن هذه الممارسات، في حال ثبوتها، تستوجب تحقيقات معمقة، خصوصاً أنها قد تؤدي إلى تحميل دافعي الضرائب تكاليف إضافية، وانعكاساتها على أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المواطنون الأمريكيون.
في المقابل، رفض المدعي العام تود بلانش، المقرب من ترامب والذي سبق أن عمل محامياً شخصياً له، الاتهامات المتعلقة بمنح امتيازات مقابل العفو الرئاسي.
واستند بلانش، خلال جلسة استماع في حزيران/يونيو الماضي، إلى الصلاحيات الدستورية الممنوحة للرئيس في إصدار قرارات العفو، مشيراً إلى أن الدستور لا يلزمه بتقديم تفسيرات بشأن الأشخاص الذين يختار العفو عنهم أو رفض طلباتهم، أو تخفيف أحكامهم.
خلافات ديمقراطية بشأن أولوية التحقيقات والتشريعات
ورغم توجه عدد من الديمقراطيين نحو فتح تحقيقات واسعة وربما إطلاق إجراءات لعزل مسؤولين في الإدارة، فإن هذه الخطوات تثير نقاشاً داخل الحزب بشأن جدوى استنزاف الوقت والموارد في المواجهات السياسية، مقابل التركيز على تشريعات تمس الأوضاع المعيشية للأمريكيين.
وفي هذا الإطار، قال السيناتور آدم شيف، عن ولاية كاليفورنيا، وأحد أبرز معارضي ترامب، لموقع "بوليتيكو"، إن الديمقراطيين قد يعطون الأولوية للتحقيقات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصاً إذا ثبت وجود ممارسات فساد داخل الإدارة أسهمت في زيادة الأسعار.
وشدد شيف على ضرورة أن تستند قرارات منح العقود الفيدرالية إلى جودة الخدمات والمنتجات وأسعارها، بعيداً عن العلاقات الشخصية أو المصالح المالية بين الشركات وأعضاء الإدارة.
وضرب مثالاً بشركة "أمازون"، متسائلاً عما إذا كان استعدادها لدفع 40 مليون دولار مقابل فيلم عن ميلانيا ترامب قد يمنحها أفضلية في الحصول على عقود حكومية، بما فيها عقود خدمات الحوسبة السحابية أو المشاريع المرتبطة بالمجال الأمني.
واعتبر أن مثل هذه الممارسات، في حال ثبوتها، تكلف دافعي الضرائب أموالاً إضافية، وترفع الأعباء عن المستهلكين، مشيراً إلى وجود حالات يُشتبه في أن شركات دفعت خلالها أموالاً للحصول على امتيازات من الإدارة.
ماسك وهيغسيث وبلانش وكوشنر ضمن قائمة المستهدفين
ولا تقتصر الشخصيات التي يعتزم الديمقراطيون إخضاعها للمساءلة على ترامب ومحيطه المباشر، بل تشمل مسؤولين بارزين في إدارته وشخصيات ذات نفوذ سياسي واقتصادي.
ومن بين الأسماء المطروحة الملياردير إيلون ماسك، أحد أبرز حلفاء ترامب، والذي قاد خلال العام الماضي جهوداً واسعة لتقليص حجم المؤسسات الحكومية الأمريكية ضمن مبادرة "DOGE".
كما يبرز وزير الدفاع بيت هيغسيث ضمن الشخصيات المستهدفة، إذ يعتزم الديمقراطيون التحقيق في طريقة إدارته للحرب على إيران، وما يثيرونه من اتهامات بسوء إدارة العمليات العسكرية وارتكاب مخالفات قانونية.
وبحسب شبكة "ABC" الأمريكية، يدرس الديمقراطيون استدعاء جاريد كوشنر، صهر ترامب، للإدلاء بشهادته ضمن التحقيقات المرتقبة، على خلفية اتهامات بممارسات غير سليمة، ينفيها كوشنر.
وأشار التقرير إلى أن غارسيا، المرشح لرئاسة لجنة الرقابة في مجلس النواب، يرغب أيضاً في استدعاء المدعي العام تود بلانش للإدلاء بشهادته بشأن تعامل وزارة العدل مع ملفات جيفري إبستين، والوثائق التي يُثار جدل بشأن إخفائها.
ومن بين الملفات الأخرى التي يُتوقع أن تخضع للتحقيق، أداء وزارة الأمن الداخلي ووكالة الهجرة والجمارك التابعة لها، على خلفية مقتل المواطنين رينيه غود وأليكس بريتي برصاص عناصر الهجرة في مدينة مينيابوليس.
الديمقراطيون يتعهدون بعرقلة الحرب على إيران
ويشكل وقف الحرب الأمريكية على إيران أحد أبرز الملفات التي يسعى الديمقراطيون إلى استخدامها لممارسة الضغط على ترامب، في ظل تعهدات بالعمل على عرقلة استمرار العمليات العسكرية، وربط ذلك بخفض أسعار الوقود وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأمريكيين.
ويعتبر الديمقراطيون أن الحرب غير قانونية، بحجة أن ترامب لم يحصل على موافقة الكونغرس قبل شنها، كما يتمسكون بقرار أقره مجلسا الكونغرس في حزيران/يونيو الماضي، ودعا إلى إنهاء الحرب، معتبرين أنه كان ينبغي أن يكون ملزماً للإدارة الأمريكية.
لكن إدارة ترامب ترفض هذا التفسير، وتعتبر القرار غير ملزم، فيما لم يلجأ الديمقراطيون حتى الآن إلى القضاء لحسم الخلاف الدستوري، وسط مخاوف من أن ترفض المحاكم الاعتراف بحقهم في رفع دعاوى بهذا الشأن.
ورغم الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي في إدارة السياسة الخارجية والعمليات العسكرية، فإن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين تتيح لهم أدوات ضغط إضافية، من بينها استدعاء المسؤولين للتحقيق في إدارة الحرب، أو الاعتراض على تخصيص الأموال اللازمة لتمويل العمليات العسكرية ضد إيران ضمن قوانين الموازنة الحكومية.
وقد يؤدي استخدام هذه الصلاحيات إلى مواجهة مباشرة بين الكونغرس والبيت الأبيض، خصوصاً إذا أصر ترامب على مواصلة الحرب، في وقت يسعى فيه الديمقراطيون إلى الحد من كلفتها السياسية والاقتصادية.
وفي موازاة ذلك، أفادت وكالة "رويترز" بأن إدارة ترامب تستعد منذ أشهر لاحتمال انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين، عبر وضع خطط تتيح للرئيس مواصلة تنفيذ أجندته السياسية بالاعتماد بصورة أكبر على الأوامر التنفيذية.
وكان ترامب قد وسّع خلال العامين الماضيين استخدام صلاحياته التنفيذية، في كثير من الأحيان بعيداً عن المسار التشريعي في الكونغرس، إلا أن عدداً من قراراته واجه تحديات قضائية أفضت إلى إبطال بعضها، ومن أبرزها أجزاء من برنامجه الواسع للرسوم الجمركية.
وبذلك، يدخل ترامب النصف الثاني من ولايته الأخيرة أمام كونغرس معارض يمتلك أدوات رقابية وتشريعية واسعة، في مواجهة مرشحة للتصاعد بشأن الحرب على إيران والتحقيقات المرتبطة بأداء إدارته، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة الديمقراطيين على تحويل أغلبيتهم البرلمانية إلى قيود فعلية على سياسات الرئيس.