بقلم د ربحي دولة

المكاشفة والمصارحة… آخر ما تبقى من جسور الثقة

نشرت في 25 يوليو 2026 10:54 ص

بقلم د ربحي دولة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/433046

هناك أزمات يمكن احتمالها، وأخرى يصعب التعايش معها. لكن أخطر الأزمات هي تلك التي يفقد فيها المواطن ثقته، ويشعر بأنه يواجه مصيره وحده، بلا إجابات، وبلا رؤية واضحة، وبلا صوت رسمي يطمئنه أو يشرح له حقيقة ما يجري.

 

المواطن اليوم لا يعيش أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات متداخلة. فالاحتلال يواصل إجراءاته، والاستيطان يتوسع، والأفق السياسي يبدو أكثر انسدادًا من أي وقت مضى. وفي الداخل، تتراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، من تأخر الرواتب، وأزمة السيولة، وشح المحروقات، وارتفاع الأسعار، والقيود على الحركة والسفر، حتى أصبحت الحياة اليومية معركة جديدة يخوضها المواطن كل صباح.

 

ومع كل ذلك، يزداد سؤال الناس إلحاحًا: أين صوت المسؤول؟

 

ليس المطلوب أن يقدم المسؤول حلولًا سحرية، فالجميع يدرك حجم التحديات التي تفرضها الظروف السياسية والاقتصادية. لكن ما ينتظره المواطن هو أن يسمع الحقيقة، وأن يعرف إلى أين تتجه الأمور، وما الذي يجري خلف الكواليس، وما الذي تستطيع الحكومة فعله، وما الذي تعجز عنه. فالصراحة لا تزيل الأزمة، لكنها تمنع تحولها إلى أزمة ثقة.

 

عندما يغيب الخطاب الرسمي، تحضر الشائعات. وعندما تتأخر المعلومة، تنتشر التأويلات، ويصبح الخوف هو المصدر الوحيد للأخبار. وهذا ما نراه اليوم بوضوح؛ حالة من القلق يعيشها الناس، ليس بسبب الظروف الصعبة فقط، بل بسبب غياب التواصل المستمر والشفاف مع الشارع.

المواطن لم يعد يشعر بالأمان كما كان. فلا أمنا شخصيا يمنحه الإحساس بالاستقرار، ولا أمنًا وظيفيًا يطمئنه على مصدر رزقه، ولا أمنًا اجتماعيًا يجعله واثقًا بأن الغد سيكون أفضل. هذا الشعور المتزايد بعدم اليقين يترك أثره على الأسرة، وعلى الشباب، وعلى المجتمع بأكمله.

 

الشباب هم الأكثر تأثرًا. كثيرون منهم فقدوا الأمل في الحصول على فرصة عمل، أو في بناء مستقبل داخل وطنهم. ينظرون إلى الغد فيرونه ضبابيًا، ويشعرون بأن الفرص تضيق عامًا بعد عام. وحين يفقد الشباب الأمل، لا نخسر أفرادًا فقط، بل نخسر طاقة المجتمع ومستقبله.

 

وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن مواجهة الأزمات بالبيانات المقتضبة أو الصمت الطويل. المطلوب خطاب واضح، صادق، ومنتظم، يضع المواطن أمام الحقيقة كما هي. فالشعوب لا تطلب المستحيل، لكنها تطلب الاحترام، والاحترام يبدأ بإطلاعها على ما يجري، وعدم تركها رهينة الإشاعات والتكهنات.

 

المكاشفة ليست اعترافًا بالعجز، بل تعبير عن المسؤولية. وهي لا تعني الحديث عن حجم المشكلة فقط، بل تعني أيضًا تقديم رؤية واقعية، وتحديد الأولويات، والاعتراف بما يمكن إنجازه وما يحتاج إلى وقت أو إلى ظروف أفضل. فالمواطن يتفهم الصعوبات عندما يشعر أن هناك من يحترم عقله ويشاركه الحقيقة.

 

نحن ندرك أن الاحتلال والاستيطان يفرضان واقعًا بالغ الصعوبة، وأن كثيرًا من القرارات لا تُصنع في ظروف طبيعية. لكن إدارة الشأن الداخلي، وتعزيز الثقة، وفتح قنوات التواصل مع المواطنين، تبقى مسؤولية لا يمكن تأجيلها. فالتحديات الخارجية لا ينبغي أن تكون سببًا لغياب الحوار الداخلي.

 

اليوم، لم تعد الأزمة أزمة رواتب أو سيولة أو محروقات فقط، بل أصبحت أزمة ثقة وأزمة أمل. واستعادة الأمل تبدأ بخطاب صادق، وبحضور مسؤول، وبشفافية تجعل المواطن شريكًا في مواجهة الأزمة، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.

 

فالأوطان لا تُبنى بالوعود، وإنما بالثقة. والثقة لا تُفرض بقرار، بل تُكتسب بالمصارحة، وتترسخ بالصدق، وتحافظ عليها الأفعال. وربما تكون الكلمة الصادقة، في هذه المرحلة، أهم من أي وعد مؤجل، لأنها تعيد للمواطن شعوره بأنه حاضر في حسابات المسؤول، وأن صوته مسموع، وأن مستقبله ليس خارج دائرة الاهتمام.

٠ كاتب وسياسي فلسطيني