نشرت في 10 أغسطس 2026 07:22 م
https://khbrpress.ps/post/433736
تتجه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إبقاء عدد من ملفات الشرق الأوسط في حالة "جمود محسوب"، في ظل عدم وجود رغبة لدى الطرفين في فتح جبهات جديدة أو اتخاذ قرارات مصيرية خلال الأشهر المقبلة، وفق تحليل نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت".
ويشمل هذا التوجه ملفات إيران وقطاع غزة ولبنان، فيما يبدو أن الحسابات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب تلعب دوراً أساسياً في تأجيل قرارات قد تعيد رسم المشهد الإقليمي.
واشنطن تضغط على طهران دون الذهاب إلى الحرب
وبحسب الصحيفة، اختارت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المرحلة الحالية سياسة تقوم على إبقاء إيران تحت الضغط، من دون الانتقال إلى مواجهة عسكرية جديدة أو إطلاق مسار تفاوضي مباشر معها.
وتواصل واشنطن، وفق التحليل، استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات إلى جانب الحضور البحري الأمريكي، لكنها لا تبدو مستعدة في الوقت الراهن لتصعيد المواجهة مع طهران.
ويعكس ذلك، بحسب التقديرات الإسرائيلية، قناعة أمريكية بأن فرص نجاح أي مفاوضات جديدة مع إيران في المدى القريب محدودة، في ظل تشدد القيادة الإيرانية وطرح مطالب تعتبرها الإدارة الأمريكية مرتفعة وغير قابلة للقبول في الظروف الحالية.
وترجح "يديعوت أحرونوت" أن يستمر هذا الوضع حتى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل على الأقل، على أن تعيد واشنطن بعد ذلك دراسة خياراتها، بالتزامن المحتمل مع ظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة.
مضيق هرمز.. الملف الذي لا يشمله التجميد
ولا ينطبق هذا التوجه بشكل كامل على مضيق هرمز، الذي يمثل استثناءً في الحسابات الأمريكية، خصوصاً في ظل تداعيات إغلاقه المحتمل على أسواق الطاقة العالمية.
وتشير الصحيفة إلى أن واشنطن لا تعارض استئناف حركة نقل النفط والغاز عبر المضيق ضمن تفاهم يجري بحثه بين إيران وسلطنة عُمان، وتشارك الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة في الاتصالات المرتبطة بهذا الملف.
لكن الإدارة الأمريكية تضع شرطاً واضحاً أمام أي ترتيبات لفتح المضيق، يتمثل في عدم دفع السفن العابرة رسوماً لإيران، مع التلويح بفرض عقوبات على السفن التي تخالف هذا الشرط.
وتعتقد واشنطن أن السماح بعودة حركة الملاحة، ولو تدريجياً، يمكن أن يساهم في تهدئة أسعار النفط العالمية، بعدما بدأت تداعيات أزمة الطاقة بالضغط على السوق الأمريكية.
لماذا اختارت إدارة ترامب الانتظار؟
وتربط "يديعوت أحرونوت" الموقف الأمريكي بأربعة اعتبارات رئيسية.
أول هذه الاعتبارات داخلي، إذ يحرص ترامب على تجنب أي تطور عسكري قد ينعكس على شعبية الجمهوريين قبيل انتخابات نوفمبر، خصوصاً أن استمرار الحرب أو ارتفاع أسعار الوقود يمكن أن يتحولا إلى عامل ضغط على الناخب الأمريكي.
أما الاعتبار الثاني فيتعلق بتقدير واشنطن أن تشدد التيارات النافذة داخل الحرس الثوري والقيادة الإيرانية دفع طهران إلى رفع سقف مطالبها، ما جعل التوصل إلى تفاهم سياسي سريع أمراً بعيد الاحتمال.
وترى الإدارة الأمريكية، وفق التحليل، أن العقوبات والضغوط الاقتصادية قد تكون أكثر فاعلية على المدى المتوسط، في ظل تدهور الاقتصاد الإيراني، إذ يمكن أن يؤدي استمرار الضغط إلى إضعاف قدرة الحكومة على الصمود ويدفعها لاحقاً إلى العودة إلى المفاوضات من موقع أكثر استعداداً لتقديم التنازلات.
أما الاعتبار الرابع، فيرتبط بالقدرات العسكرية الأمريكية نفسها، بعدما استهلكت جولات المواجهة السابقة مع إيران جزءاً من مخزون الصواريخ والأسلحة الاعتراضية.
وتعمل وزارة الدفاع الأمريكية، بحسب التقرير، على تسريع عمليات إنتاج الصواريخ الاعتراضية والهجومية، استعداداً لاحتمال عودة التصعيد، مع مراعاة عدم استنزاف المخزون الاستراتيجي الأمريكي بما يمكن أن يحد من قدرة واشنطن على مواجهة الصين.
“إسرائيل” لا تعارض سياسة الانتظار
وترى الصحيفة أن سياسة واشنطن الحالية لا تتعارض مع المصالح الإسرائيلية، بل تمنح تل أبيب مكاسب من دون الدخول في مواجهة مباشرة جديدة مع إيران.
فاستمرار العقوبات والضغط البحري والاقتصادي يضعف قدرة طهران على استعادة قدراتها الصاروخية والنووية بالسرعة التي قد ترغب فيها، كما يحد من إمكاناتها المالية لدعم حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله والحوثيون.
ويعتقد التحليل أن هذا النهج يقترب من التصور الذي تتبناه المؤسسة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية، الأمر الذي قد يفسر عدم اعتراض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته علناً على السياسة الأمريكية تجاه إيران.
غزة.. خطة أمريكية تتحرك وخريطة طريق متعثرة
وفي ملف غزة، يميز التحليل بين مسارين منفصلين، أحدهما يجري العمل عليه بين واشنطن وتل أبيب، والآخر لا يزال عالقاً في الخلافات السياسية بشأن مستقبل القطاع ونزع سلاح حركة حماس.
المسار الأول يرتبط بالتحضيرات لتنفيذ أجزاء من خطة ترامب الأصلية المكونة من 20 نقطة.
وفي هذا السياق، يجري التحضير لإنشاء منطقة سكنية تجريبية في مساحة مفتوحة بين خان يونس ورفح، بهدف إتاحة انتقال فلسطينيين إليها من المناطق التي تسيطر عليها حماس، على أن تقع المنطقة المقترحة شرق "الخط الأصفر" وتحت السيطرة الإسرائيلية.
كما تشمل التحضيرات إنشاء موقع للقوة الدولية متعددة الجنسيات في منطقة مفتوحة شمال رفح، تمهيداً لنشرها داخل قطاع غزة في مرحلة لاحقة، بحيث تتولى الفصل بين حركة حماس والقوات الإسرائيلية، بالتزامن مع ترتيبات نزع سلاح الحركة وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وتؤكد الصحيفة أن هذه المشاريع تقع في مناطق خاضعة حالياً للسيطرة الإسرائيلية خلف "الخط الأصفر"، ولا تشير المعطيات الحالية إلى استعداد إسرائيل للانسحاب منها في المرحلة الراهنة.
نزع سلاح حماس يعطل خريطة الطريق
في المقابل، لا يزال المسار الآخر، المرتبط بخريطة الطريق المكونة من 15 نقطة والتي طرحها "مجلس السلام"، يواجه عقبة رئيسية تتمثل في آلية نزع سلاح حماس وتوقيت الانسحاب الإسرائيلي.
وتتمسك إسرائيل بأن يسبق الانسحابَ تسليمُ الحركة جميع أسلحتها، كما ترفض المقترح القاضي بوضع الأسلحة التي يتم جمعها تحت إشراف الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، خشية أن تتمكن حماس من استعادتها في وقت لاحق.
أما "مجلس السلام"، برئاسة الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، فيطرح صيغة مختلفة تقوم على نزع سلاح الحركة تدريجياً، منطقة بعد أخرى، بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي يتم تأمينها، على أن تتولى الولايات المتحدة عملية التحقق من تنفيذ الترتيبات.
وأعلن نتنياهو الأحد رفضه لهذه الصيغة، مشدداً على أن إسرائيل لن تنسحب قبل إتمام نزع سلاح حماس بصورة كاملة، في موقف تؤكد تقارير لاحقة أنه أصبح من أبرز أسباب تعثر الخطة المطروحة.
ولم تقدم واشنطن، حتى الآن، رداً علنياً واضحاً على موقف نتنياهو، في وقت يبدو أن الإدارة الأمريكية تدرك صعوبة تمرير صيغة تخشى إسرائيل أن تمنح حماس فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية.
لبنان يدخل أيضاً دائرة الانتظار
وبالتوازي مع الملفين الإيراني والغزي، يضع التحليل الساحة اللبنانية ضمن دائرة التجميد المؤقت، في إطار سياسة أوسع تتجنب من خلالها واشنطن وتل أبيب اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى قبل اتضاح نتائج الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وبناءً على ذلك، ترى "يديعوت أحرونوت" أن الأشهر المقبلة قد تشهد استمراراً للوضع القائم بدلاً من حدوث تحول كبير في الملفات الثلاثة، مع إبقاء أدوات الضغط والعقوبات والاستعدادات العسكرية قائمة، لكن من دون الانتقال إلى مواجهة شاملة أو تسوية سياسية نهائية.
وبذلك، يبدو أن واشنطن وتل أبيب تراهنان على الوقت باعتباره أداة سياسية بحد ذاته، في انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، والتي قد تحدد لاحقاً ما إذا كان هذا "التجميد الاستراتيجي" سيتحول إلى مفاوضات وتسويات، أم إلى جولة جديدة من التصعيد في المنطقة.