نشرت في 12 أبريل 2026 02:08 م
https://khbrpress.ps/post/429012
كتب: وليد العوض
في بودكاست للأسير المحرر الاديب باسم الخندقجي، أجرته الإعلامية المتميزة د. ربى المهتدي، تناول فيه تجربة الأسر المرّة التي يعيشها آلاف الأسرى. وأنا أستمع لما قاله باسم، عادت الأسئلة القديمة–الجديدة لتفرض نفسها: كيف نقرأ الألم؟ وكيف نحوله إلى وعي؟ وكيف نحميه من أن يُستثمر في اتجاهات لا تخدم المستقبل؟
ليس سهلًا أن يتحدث الإنسان عن السجن دون أن تنكسر اللغة، أو أن يستعيد سنواته الثقيلة دون أن ترتجف الذاكرة. لكن في هذه المقابلة، يبدو الأمر مختلفًا؛ كأننا لا نستمع إلى حكاية عن القيد، بل إلى تأمل طويل في معنى الحرية.
واحد وعشرون عامًا من العتمة، لم تكن مجرد زمنٍ عابر في حياته، بل كانت اختبارًا يوميًا للروح. ومع ذلك، لم تتحول الزنزانة إلى قبرٍ للمعنى، بل إلى رحمٍ خفيٍّ للكتابة. هناك، حيث تضيق الجدران وتشتد العزلة، كان الخندقجي يوسّع العالم بالكلمات، ويخلق من تفاصيل القهر أفقًا لا يُرى إلا بالبصيرة.
في صوته، كما في نصوصه، شيء من الطمأنينة العميقة؛ طمأنينة من عرف الألم حتى نهاياته، ثم قرر ألا يكون أسيرًا له. لم يكن يروي معاناته بوصفها جرحًا مفتوحًا، بل كخبرةٍ صاغت وعيه، وعلّمته كيف يرى الأشياء من الداخل.
الكتابة عنده لم تكن ملاذًا، بل أداة مواجهة؛ ولم تكن وسيلة للنجاة فقط، بل شكلًا من أشكال البقاء النبيل. كان يكتب ليحمي إنسانيته من التآكل، وليقول إن الإنسان يمكنه أن ينتصر، حتى وهو في أقصى حالات القيد.
وحين يتحدث عن الحرية، لا يفعل ذلك بخفة المنتصر، بل بحذر العارف بثقلها. الحرية هنا ليست لحظة خروج، بل مسار طويل لاستعادة الذات.
لكن، ومع هذا التقدير العميق لهذه التجربة الإنسانية والأدبية، فإن ما طُرح سياسيًا يفرض حضور اللحظة السياسية بقوة، ويدفعنا إلى ما هو أبعد من الإعجاب، نحو مساءلة أكثر صراحة ووضوحًا.
فالتجربة الفلسطينية اليوم لا تعيش فقط مأساة الأسر، بل مأساة الخيارات أيضًا. ما يجري ليس مجرد مواجهة مع الاحتلال، بل تعقيد مركّب تتداخل فيه مشاريع متعددة، فيما يدفع الشعب الفلسطيني الثمن الأكبر: دمارًا، تهجيرًا، وتآكلًا في مقومات الصمود.ومن هنا، لا يكفي أن نحتفي بالصمود أو أن نعيد إنتاج خطاب البطولة، دون التوقف الجاد أمام كلفة بعض المسارات التي قُدّمت بوصفها “إنجازات”، بينما كانت نتائجها على الأرض كارثية على الإنسان والمكان. فالمسألة لم تعد تحتمل المجاملة أو التردد، بل تحتاج إلى شجاعة نقدية مسؤولة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الدفاع عن شكلٍ محدد من أشكال المقاومة، بل في مساءلتها: هل تخدم فعلاً بقاء الناس؟ هل تعزز قدرتهم على الصمود؟ أم أنها، في بعض تجلياتها، فتحت الباب أمام دمار واسع، واستُخدمت كذريعة لمشاريع اقتلاع وتهجير لم تتوقف؟إن تحويل الألم إلى وعي يقتضي، بالضرورة، نقد التجربة لا التغني بها، ويقتضي التمييز بين ما هو فعل نضالي متراكم، وبين ما هو اندفاع غير محسوب، مهما كانت نواياه.
ولعل الخطر الأكبر يكمن في الاستمرار في إنتاج وعيٍ يخلط بين الصمود والمغامرة، بل وحتى المقامرة، وبين حق المقاومة واستنزاف المجتمع. فالمقاومة، في جوهرها، ليست فعلًا انفعاليًا أو لحظة انفجار، بل عملية تاريخية تراكمية، تحتاج إلى تنظيم ورؤية ومسؤولية عالية تجاه الناس، الذين يجب أن تكون أي مقاومة في خدمتهم، وتحقيق مصالحهم، وصون كرامتهم.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة الاعتبار للفعل الشعبي المنظم، القادر على مواجهة الاستيطان وتغول المستوطنين، وعلى حماية الأرض والإنسان، دون الزج بالمجتمع في تجارب أثبتت كلفتها الباهظة.
كما أن قضية الأسرى، بكل رمزيتها، يجب ألا تُستدعى لتبرير سياسات أو خيارات تُفضي إلى مزيد من الكوارث، بل لتكون حافزًا لبناء استراتيجية وطنية عقلانية، توازن بين التحرر وبين بقاء المجتمع نفسه.
إن الاختلاف هنا ليس مع التجربة، ولا مع صاحبها، بل مع بعض القراءات السياسية التي قد تُحمّل التجربة ما لا تحتمل، أو توظفها في غير سياقها. فتكريم الأسرى لا يكون فقط بالاحتفاء بهم، بل أيضًا بحماية ما ضحّوا من أجله: الإنسان، الأرض، والمستقبل.
لهذا، ربما يكون الأجدر أن نقرأ تجربة الحبيب باسم لا فقط كسيرة صمود، بل كمرآة لأسئلتنا الكبرى: كيف نواصل النضال دون أن نكرر الأخطاء؟ كيف نحمي شعبنا ونحن نقاوم؟ وكيف نحوّل التضحيات إلى إنجازات حقيقية، لا إلى خسارات مفتوحة؟
هذا هو التحدي… وهذه هي اللحظة التي لا تحتمل إلا وضوحًا أكبر، ومسؤولية أعمق.