نشرت في 13 أكتوبر 2026 12:13 م
https://khbrpress.ps/post/436482
لم يعد أيلول وتشرين الأول في قطاع غزة يحملان نفس الملامح التي اعتادها الغزيون لسنوات طويلة؛ فالموسم الذي طالما شُبِّه بـ"العرس الوطني"، وأبحرت فيه العائلات نحو حقولها لجمع "الذهب الأخضر"، بات اليوم محفوفاً بالمرارة والركام والشواخص العسكرية. يأتي موسم قطاف الزيتون لعام 2026 في ظروف استثنائية وقاسية أعقبت حرباً طاحنة أكلت الأخضر واليابس، واقتطعت مساحات واسعة من أراضي القطاع.
تراجع حاد ونقص في الري والخدمة
تشير المعطيات الميدانية إلى انتكاسة غير مسبوقة في كميات المحصول لهذا العام؛ إذ تراجع إنتاج الشجرة الواحدة من نحو 100 كيلوغرام في السنوات الطبيعية ليصل حالياً إلى ما بين 20 إلى 30 كيلوغراماً فقط. هذا التراجع الكارثي، الذي تتراوح نسبته بين 70% إلى 80%، لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لتدمير البنية التحتية الزراعية، وحرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم لري أشجارهم أو العناية بها طوال أشهر الجفاف.
يضاف إلى ذلك النقص الحاد في الأسمدة والمستلزمات الزراعية، وارتفاع تكاليف العمالة والنقل، إلى جانب أجور عصر الزيتون التي قفزت لارتفاع أسعار الوقود وتشغيل المعاصر القليلة المتبقية.
مقصلة "الخط الأصفر" وتدمير آلاف الدونمات
تجسد الأراضي الواقعة في المناطق الشرقية وفيما يُعرف بـ "الخط الأصفر" المأساة الحقيقية للمزارعين؛ حيث يسيطر الجيش الإسرائيلي على مساحات شاسعة ويمكّن المخاطر الأمنية من تجريف واقتلاع وحرق آلاف الأشجار المعمرة.
وعن هذه المعاناة، يوضح أحد المزارعين المحليين "لدينا أكثر من 20 دونماً شرق خان يونس، كانت تعيل عدة عوائل وتنتج أطنان الزيت والزيتون سنوياً. اليوم لا نستطيع حتى الاقتراب من السلك أو عبور الخط الأصفر لنرى ما حل بأشجارنا. الأشجار التي لم تُجرف ماتت عطشاً لأننا مُنعنا من ريها لأكثر من عام. الشجرة بالنسبة لنا كالأبن، ورؤيتها تحتضر أشد إيلاماً من خسارة المحصول نفسه."
ويردف مزارع آخر من شمال القطاع قائلاً: "تكاليف القطف والعصر أصبحت خيالية، والعمال يخشون الوصول للخطوط القريبة من الآليات. الشجرة التي كانت تنتج وفيراً أصبحت لا تعطينا إلا القليل بسبب نقص الأسمدة والماء. ورغم ذلك نحاول جمع ما تبقى لنطعم أطفالنا".
أسعار ملتهبة وطقوس مفقودة بين الخيام
في أسواق غزة ودير البلح، ارتفعت أسعار الزيتون وزيت الزيتون إلى مستويات غير مسبوقة جعلت الشراء بعيد المنال لغالبية المواطنين والنازحين الذين يعانون من ظروف اقتصادية معقدة،حيث وصل ثمن الرطل الواحد لنحو 50 أو 40 شيكلاً “15 دولاراً أمريكياً” في حين كان يُباع قبل الحرب بنحو 12 شيكلاً “3 دولارات”.
تقول أم محمد (52 عاماً)، وهي نازحة في دير البلح: "كنا ننتظر هذا الموسم من العام للعام؛ نجتمع كل العائلة في الأرض، نعد الشاي على الحطب، ونحضر الغداء تحت ظلال الأشجار، ونعود للمنزل بـ 'تنكة الزيت' الصافي. اليوم نعيش في خيمة، وسعر كيلو الزيتون صار أضعاف ما كان عليه، ولا أستطيع شراء سوى كميات بسيطة جداً للتخليل. حُرمنا من الأرض ومن اللمة ومن أسطورة الزيتون التي كبرنا عليها".
أما أبو أحمد (60 عاماً)، فيحسُر على الغلاء والطقوس المفقودة قائلاً: "غلاء الزيتون هذا العام ليس جشعاً من المزارع، بل لأن المحصول شحيح والمخاطر عالية. ما كان بالأمس رمزاً للوفرة والخير البركة صار اليوم مادة شحيحة يبحث عنها الناس في الأسواق بأسعار مرتفعة".
مبادرات الصمود: قطاف فوق الركام
رغم الحزن المخيم على الموسم، لم تغب مظاهر التحدي والصمود عن المشهد الغزي. ففي مدن مثل دير البلح والمناطق الوسطى، حرص الأهالي والنازحون على قطف الثمار القليلة المتبقية من الأشجار المحيطة بخيامهم ومنازلهم المتضررة بالحجارة والأواني البسيطة للحفاظ على هذا الرمز الوطني.
كما برزت مبادرات محلية، كفعالية "أرض وزيتون" التي نظمتها بلدية غزة، لإحياء الرمزية الوطنية للشجرة ودعم المزارعين في جمع ما تيسر من المحصول، لتؤكد غزة مجدداً أن شجرة الزيتون تبقى عصية على الاقتلاع، وأن ارتباط الفلسطيني بأرضه أعمق من كل المحاولات لطمس هويته وزراعته.
يشار إلى أن موسم الزيتون في غزة هذا العام يقترب على الرحيل وسيترك خلفه جراحاً غائرة في جسد الأرض والذاكرة؛ فبين أرقام الإنتاج المتهاوية وأسعار الثمار الملتهبة، يُحرم آلاف المزارعين والأهالي من قوتهم وطقوسهم التي تناقلوها جيلاً بعد جيل. غير أن الإصرار على جني ما تبقى من ثمارٍ فوق الركام وبين الخيام، يتحول إلى رسالة تجذر صامتة؛ فكل حبة زيتون تُجمع اليوم ليست مجرد محصول زراعي، بل هي وثيقة صمود تأبه بالغياب، وتؤكد أن الجذر الضارب في عمق هذه الأرض أطول عمراً من المحرث وأقوى من سلاح الدمار.









