تقرير: في يومهم العالمي.. عمال غزة بين العجز والبطالة

نشرت في 01 مايو 2026 02:03 م

إسماعيل نوفل - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/429786

يجلس عادل موسى (43 عامًا) على كرسيه المتحرك قرب خيمته، مثبتًا نظره في الممر الترابي الضيق الذي تتقاطع فيه خطوات النازحين طوال اليوم. إلى جواره يجلس أحد جيرانه، يتبادل معه حديثًا خفيفًا، بينما تمرّ أمامهما وجوه متعبة، وأصوات أطفال، وضجيج حياة لا تشبه شيئًا من الماضي.

يحرّك عادل كرسيه قليلًا، ثم يتوقف، كأن المسافة القصيرة أمامه أطول مما تبدو. يقول بصوتٍ خافت: "كنت أطلع من الصبح على شغلي، ما كنت أقعد هيك". يصمت لحظة، ثم يضيف وهو يتابع المارة: "بمرّ النهار وأنا مكاني… لا في شغل، ولا في قدرة أتحرك زي قبل".

منذ أن بُترت قدمه خلال الشهور الأولى في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، لم يعد الطريق يعني له ما كان يعنيه يومًا؛ لا عمل ينتظره، ولا وجهة يقصدها. "أصعب شي مش الألم… الأصعب إني مش قادر أشتغل"، يقولها وهو يشدّ على طرف الكرسي بيده، كمن يحاول التماسك.

قبل الحرب، كان لدى عادل بيت يقع شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة، ولكنه فقده كما فقد قدمه خلال الحرب، واليوم يعيش داخل خيمة ضيقة مع عائلته المكوّنة من 6 أفراد (زوجته و3 أبناء وبنت)، في أحد مخيمات النزوح في مدينة دير البلح.

يروي كيف تبدّل كل شيء في لحظة، قائلاً: "كنت أشتغل وأتعب عشان أوفّر لولادي كل شي… مأكل ومشرب ولبس، اليوم لا شغلة ولا عملة". قبل اندلاع الحرب، كان يعمل في إحدى شركات الأعلاف، ومع اندلاعها اضطر للبحث عن بدائل، فانتقل إلى السوق الحر، يبيع في سوق الحلال، ويجمع الحطب ليبيعه.

في أحد تلك الأيام، أصيب عادل في قصف مدفعي إسرائيلي قريب منه، حينما كان يجمع الحطب شرق البريج ويقول: "انرميت على الأرض لـ4 ساعات قبل ما ينقلوني إلى المستشفى". ويذكر أنّه إصابته لم تستدعي البتر في البداية، لكن نقص العلاج حوّلها إلى فقدٍ دائم.

يتوقف قليلًا، يمرر يده على طرف الكرسي، ثم يضيف: "حتى رجلي الثانية فيها مشكلة… ما بقدر أمشي عليها"، ويرجع لذلك إلى فقدانه العظام الموجودة في كف قدمه وقت إصابته.

اليوم، لم يعد عادل قادرًا على العمل، ولا حتى على التنقل بمفرده. "كنت أتحرك وأشتغل… الآن بدي حدا يزق الكرسي عشان أروح مشوار"، يقول بنبرة يختلط فيها الغضب بالعجز. يحاول أحيانًا البحث عن عمل، لكنه يصطدم بواقعه الجديد: "دورت، بس ما في شغل لواحد زي حالتي".

داخل الخيمة، تتكثف الضغوط أكثر. أكبر أبنائه لم يتجاوز الحادية عشرة، واحتياجاتهم اليومية لا تتوقف. "الأولاد بدهم أكل ولبس… وأنا مش قادر أوفّر"، يقول، قبل أن يضيف بصوت منخفض: "أصعب لحظة لما يطلب ابني مصروف وما أقدر أعطيه… شو بدك تعمل ساعتها؟".

يتنهد، ثم يطلق جملة تبدو كأنها خرجت بعد صراع طويل: "فكرت بالموت أكثر من مرة… بس لما أشوفهم، بتراجع". لم يعد النوم سهلًا بالنسبة له. يقضي لياليه مستيقظًا، يعيد في رأسه ما حدث: "كنت قادر… واليوم عاجز.. كيف كنت وكيف صرت".

رغم ذلك، لا يزال يتمسك بخيط أمل وحيد. تحويلته الطبية جاهزة، كما يقول، وينتظر فرصة للخروج لاستكمال علاجه وتركيب طرف صناعي. "بدي أرجع أوقف على رجلي… وأشتغل"، يضيف، موجّهًا رسالته في يوم العمال: "بدنا فرصة نعيش بكرامة… وبدنا علاج".

هذه الحكاية لا تخص عادل لوحده، بل تمثل آلاف العمال المصابين الذين أصبحوا الآن غير قادرين على إعالة أسرهم، حيث يعتبر قطاع العمال أحد القطاعات الأكثر تأثرًا بحرب الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة، كما ذكر سامي العمصي رئيس اتحاد نقابات العمال في قطاع غزة.

وقال: "يوم العمال يأتي والطبقة العاملة في غزة تعيش واحدة من أقسى المراحل في تاريخها، في ظل عدوان متواصل، وحصار خانق، لافتًا إلى أنّ نسبة البطالة في غزة بلغت 80%، ونسبة الفقرة بين العمال ارتفعت إلى قرابة الـ 90%، فيما تجاوز عدد العاطلين عن العمل حاليًا الـ 400 ألف عامل، بينما كان قبل الحرب نحو 200 ألف عاطل عن العمل.

وأضاف أن أكثر من 90% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة تقع الآن خلف الخط الأصفر، ودمّر الاحتلال أكثر من 95% من المنشآت الصناعية، كما قيّد حركة الصيادين وجعل رحلاتهم خطيرة وتشكل خطرًا على حياتهم.

وحول حصيلة الإصابات في صفوف العمال خلال حرب الإبادة، أشار إلى أنه لا يوجد إحصائية مؤكّدة، ولكن الأعداد كبيرة جدًا. بحسب تقديره، فإنّ عدد المصابين في قطاع غزة يزيد عن 170 ألف مصاب، من بينهم أكثر من 30 ألف مصاب من قطاع العمال، لافتًا إلى استشهاد أكثر من 10 آلاف عامل.

وأوضح أن مصير العمال المصابين كباقي مصير أبناء شعبنا في القطاع الذي يعاني من العدوان المتواصل، ولكن بمجرد تحسن الأوضاع، سيكون هنالك طرح لقوانين التكافل الاجتماعي وصندوق خاص لدعمهم.

وبهذا الصدد، دعا جميع الجهات إلى تحمّل مسؤولياتها اتجاه قطاع غزة، ورفع الحصار الجائر عنه، والعمل على إعادة الإعمار، وتمكين المؤسسات من أداء دورها في خدمة شعبنا، مطالبًا بوضع قضايا العمال الفلسطينيين على رأس أولويات المجتمع الدولي والجهات المانحة.

وطالب رئيس اتحاد نقابات العمال في غزة، بضرورة تمكين اللجنة الإدارية من دخول القطاع، من أجل البدء بعملها في خدمة أبناء شعبنا، آملًا أن يحمل دخولها بدايةً لعودة الحياة وإعادة الإعمار، وحتى يجد على الأقل العامل المصاب العلاج والدواء.

وحول تأثير حرب الإبادة على سوق العمل في غزة، أوضح الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب، أنّها "أحدثت تشويهًا عميقًا وممنهجًا في بنية سوق العمل"، وذلك نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية الاقتصادية، بما يشمل القطاعات الصناعية والزراعية والخدماتية والتكنولوجية.

وبيّن أنّ هذا التدمير أدى إلى "خروج غير مسبوق وقسري للعمال من سوق العمل"، في ظل القصف، والحصار، ومنع إدخال المعدات ومستلزمات الإنتاج. ويقدّر أن القطاع فقد ما يقارب 200 ألف فرصة عمل بعد العدوان، في مختلف القطاعات.

وأشار أبو جياب، إلى أنّ هذه الخسائر انعكست بشكل مباشر على حياة السكان، إلى جانب تراجع حاد في القوة الشرائية، ودخول الأسواق المحلية في حالة ركود، مع انخفاض كبير في مستويات الإنتاج والنمو الاقتصادي.

وشدّد على أن الاقتصاد في غزة يمر حاليًا بـ"حالة انهيار حقيقي"، تتطلب تدخلات واسعة وطويلة الأمد، تشمل إعادة الإعمار، وتأهيل القطاعات الإنتاجية، وإعادة بناء المهارات لدى العمال.

وفيما يتعلق بالعمال المصابين، قال: إن إعادة دمجهم في سوق العمل يتطلب برامج استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على إعادة التأهيل المهني وتطوير مهارات تتناسب مع طبيعة إصاباتهم، إلى جانب إدماجهم في مسارات عمل جديدة.

وأضاف أنّ هذه الجهود تحتاج إلى "رؤية مؤسسية واضحة، وبرامج حكومية ومجتمعية متكاملة"، تركز على إعادة تأهيل هذه الفئة وتمكينها اقتصاديًا.

وحول قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب العمال المصابين، لفت إلى أنّ المؤشرات الحالية تؤكد أننا أمام "أزمة طويلة الأمد"، في ظل استمرار معدلات البطالة والفقر المرتفعة.

وختم أبو جياب، بأنّ الحلول العاجلة يجب أن تبدأ ببرامج دعم مالي مباشر للعمال المصابين، بالتوازي مع إطلاق برامج تأهيل وتمهير مهني، تمهيدًا لإعادة دمجهم في سوق العمل، خاصة مع أي فرص مستقبلية لإعادة الإعمار وانفتاح القطاع.