بقلم طلال عوكل

حين تنهار حروب ترامب الدونكيشوتية

نشرت في 24 أغسطس 2026 10:41 ص

بقلم طلال عوكل

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434349



 


لم تمضِ سنتان على الولاية الأكثر صخباً في تاريخ الرئاسات الأميركية حتى وجد نفسه وإدارته والدولة الأعظم على وجه الأرض، في جملة من الأزمات التي تنذر بأسوأ العواقب على الولايات المتحدة.
شعار حملته الانتخابية لنجعل أميركا عظيمة، كان شعاراً جاذباً وينطوي على وعود للمواطن الأميركي بتعظيم مكانة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، وتعزيز مستوى الرفاه للمجتمع لكن المحصلة جاءت صادمة حتى لمن حملوا شعار لنجعل أميركا عظيمة.
تصرف الرئيس صاحب الأنا المتضخمة، على أنه يملك عصا موسى حيث يمكنه استخدام الإمكانيات الهائلة للبلاد، في إعادة صياغة العالم والنظام الدولي، بما يخدم فقط الولايات المتحدة، ويقفل طريق المنافسة أمام الصين وروسيا.
أراد الرئيس ترامب، أن يعظم ثروة عائلته، وعائلات طاقمه ومستشاريه من أصحاب المليارات، وأن يفتح خزائن الدولة فقط لاستقبال الأموال من خلال القرصنة وعلى حساب حتى حلفاء الولايات المتحدة التاريخيين، فإذا به يرفع معدلات الدين العام إلى أربعين تريليون دولار، ويرفع معدلات التضخم والأسعار التي ترهق جيوب عشرات ملايين الأميركيين.
وبالرغم من فشل حملاته التي ابتدأ بها ولايته، حين اتخذ قرار رفع نسب الرسوم على البضائع التي ستدخل الولايات المتحدة، إلا أنه عاد مؤخراً لفرض رسوم على نحو خمس وستين دولة.
وكأنه يعلن حرباً اقتصادية على الكل دون تمييز بين دولة صديقة أو معادية.
يحدث مثل هذا السلوك المتهور، التوتر الشديد في أنحاء مختلفة من العالم، خصوصاً الاتحاد الأوروبي وكندا، بما يحفز لدى الآخرين الخروج من تحت العباءة الأميركية، وتعزيز استقلالية الدولة وإعادة بناء خارطة التحالفات، وفتح الأبواب أمام تعدد الخيارات.
يتبجح الرئيس صاحب الأنا المتضخمة، بأنه سيحقق السلام في العالم. ونسب لنفسه الحق في الحصول على جائزة نوبل للسلام، وادعى أنه ما كان ليسمح باندلاع حرب أوكرانيا لو كان رئيساً.
وبعد أن ادعى أنه حقق السلام في عدد من مواقع الصراع غاب هذا الادعاء، بل انطفأ تماماً، وحلت مكانه إعلانات بشن حروب أحدثت تصدعات في السلم العالمي، أشعلت صراعات دموية تضرب كل زاوية.
فشل ترامب في وقف الحرب الروسية الأوكرانية، وكان كل همه أن يحصل على صفقات مع أوكرانيا، مقابل ما قدمته أميركا لها من أسلحة، وفشل في إنهاء الحرب في السودان وفي الشرق الأوسط وفي الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
شن ترامب حرباً على أوروبا، وفشل في حيازة غرينلاند، وفشل في ضم كندا للولايات المتحدة، وحتى أنه فشل في حربه على المهاجرين غير الشرعيين، اعتقد ترامب أنه يستطيع السيطرة على كوبا، وإيران مثلما نجح في اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته.
غروره، وعنجهيته وطموحاته المستحيلة جعلته يبتلع الطعم الذي قدمه له نتنياهو، بشأن إمكانية إسقاط النظام في إيران والاستحواذ على نفطها وغازها ومقدراتها والتحكم في إمدادات الطاقة لإخضاع الآخرين ولكنه سقط في سوء تقديراته.
يتقاسم مجنونا القرن ترامب ونتنياهو الفشل في تحقيق الأهداف، فلا حسم في قطاع غزة، ولا نجاح لخطة ترامب ومجلسه للسلام، ولا حسم في لبنان، ولا في سورية حيث يتصاعد التوتر وتظهر معادلات قوة مختلفة، تضرب المصالح الأميركية، وتهدد بحروب جديدة تهدد الأمن الإسرائيلي الوجودي كما يصرح قادة إسرائيل.
وفي إيران تفشل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في إسقاط النظام وتفشل في فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب، وتلحق الحرب أضراراً بالغة في علاقات ومكانة الولايات المتحدة في المنطقة، وتسقط هيبة الدولة الأقوى التي تمتلك أفضل الأسلحة والمعدات كما يدعي ترامب.
أسباب عديدة تجعل ترامب يتوقف عن مواصلة الحرب العسكرية على إيران، ومعظمها يكشف عن عوامل داخلية مهمة تتصل بنقص مخزونات الذخائر الدفاعية فضلاً عن الخسائر الباهظة التي تكبدتها الولايات المتحدة، والتحولات الخطيرة في الرأي العام الأميركي الذي ينذر بسقوط هيمنة الجمهوريين على الكونغرس.
من استخدام القوة، التي أظهرت هشاشة الردع الأميركي الإسرائيلي إلى الحصار على إيران وموانئها، إلى الانتقال نحو الحرب الاقتصادية، ولكن إيران لم تهتز بعد بل تظهر تصميماً على التحدي والتمسك بحقوقها ومصالحها، وفق الإعلان الترامبي، فإن الحرب الاقتصادية على إيران تنطوي على أبعاد ومؤشرات، نحو حرب اقتصادية عالمية، حيث يهدد ترامب باتخاذ عقوبات على كل دولة يمكن أن تتعامل مع إيران اقتصادياً، أو تسهل دخول البضائع أو الأموال إليها.
حرب تجويع بكل معنى الكلمة، تماما كما فعلت إسرائيل وتفعل في قطاع غزة، مع فوارق مهمة فإيران لها حدود مع دول كثيرة لا توافق الموقف الأميركي، وقد تتحول عن علاقاتها بالولايات المتحدة إن تجرأت الإدارة الأميركية على فرض عقوبات عليها.
لا يدرك الرئيس ترامب الذي يتخبط في قراراته وإجراءاته أن غزة صمدت أمام حرب الإبادة والتجويع، وأن كوبا تصمد أمام الحصار الأميركي الخانق، وأن الشعب الإيراني ليس أقل استعداداً لخوض التحدي، والتحمل.
يدرك الإيرانيون الذي دفعوا أثماناً باهظة بسبب الدمار الهائل الذي تعرضت له بلادهم جرّاء الحربين اللتين شنتهما الولايات المتحدة وإسرائيل وأن ليس لديهم ما يخسرونه في حرب ظالمة، سيترتب على الصبر فيها مكاسب استراتيجية هائلة لإيران، وللعالم الذي ذاق الأمرين بسبب الحروب الأميركية والإسرائيلية وبأن نتيجة هذه الحرب، ستجعل من إيران دولة عظمى ليس على صعيد الإقليم وحسب.