نشرت في 23 أغسطس 2026 10:28 ص
https://khbrpress.ps/post/434289
في الآونة الأخيرة، شهدت الساحة السياسية الفلسطينية تقاربًا غير مسبوق بين تيار دحلان وحماس، إلى جانب فصائل وشخصيات أخرى، ووصل الأمر إلى طرح فكرة تشكيل قائمة انتخابية موسعة لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو ما أثار موجة واسعة من التحليلات والتساؤلات: لماذا تلتقي هذه الأطراف، رغم ما بينها من تناقضات وخلافات سياسية وتنظيمية؟ وهل تستطيع تحويل هذا التفاهم إلى قائمة انتخابية قابلة للتنفيذ، أم أن الطريق أكثر تعقيدًا مما يبدو؟ أولًا: دوافع تشكيل القائمة هذا التقارب وفكرة تشكيل قائمة ائتلافية لا يعكسان تطابقًا سياسيًا بين حماس وتيار دحلان والقوى الأخرى، بقدر ما يعكسان تقاطعًا في المصالح ورغبة لدى هذه القوى في إعادة ترتيب أوراقها ومواقع نفوذها استعدادًا لمرحلة جديدة من التوازنات السياسية والانتخابية. فحماس، من جانبها، تحتاج إلى إطار أوسع من القائمة الحزبية المباشرة، خصوصًا في ظل التعقيدات والضغوط المحيطة بمشاركتها في الانتخابات، بينما يمتلك تيار دحلان مصلحة واضحة في العودة إلى قلب المعادلة السياسية من بوابة الانتخابات. أما القوى والفصائل الصغيرة والشخصيات المستقلة، فلها حسابات مختلفة؛ فالدخول في قائمة واسعة قد يمنحها فرصة للوصول إلى المجلس التشريعي بوزن يصعب تحقيقه منفردة، ويفتح أمامها المجال للتفاوض على مواقع متقدمة أو مقاعد قابلة للفوز. لذلك، قد يكون الانضمام إلى القائمة صفقة انتخابية أكثر منه تطابقًا سياسيًا، تتنازل فيها جزئيًا عن استقلاليتها وهويتها مقابل فرصة أفضل للتمثيل والتأثير. وهذه المصالح تفسر دوافع التقارب، لكنها لا تعني بالضرورة سهولة تحويله إلى قائمة انتخابية. ثانيًا: لماذا قد يكون التنفيذ صعبًا ومكلفًا؟ تبدأ الصعوبة الحقيقية عندما تنتقل الأطراف من الحديث عن الفكرة إلى تفاصيل تنفيذها. كم مقعدًا سيحصل عليه كل طرف؟ ومن يتصدر القائمة؟ وكيف يتم ترتيب المرشحين؟ هل يكون التوزيع وفق القوة التنظيمية لكل طرف؟ أم وفق الوزن الانتخابي المتوقع؟ أم وفق تفاهم سياسي يراعي التوازن بين القوى والمناطق الجغرافية والشخصيات؟ هذه ليست تفاصيل فنية هامشية، بل قد تكون من أصعب مراحل التفاوض، لأن كل مقعد في المواقع المتقدمة يمكن أن يمثل وزنًا سياسيًا حقيقيًا بعد الانتخابات. ثم يأتي شكل القائمة. هل تكون قائمة فصائلية واضحة تضم حماس وتيار دحلان وفصائل أخرى؟ أم قائمة سياسية أوسع تضم مستقلين وشخصيات مهنية وأكاديمية ووجهاء وشخصيات عامة، بحيث لا تبدو القائمة مجرد تحالف مباشر بين حماس وتيار دحلان؟ إن اختيار شكل القائمة ليس مسألة شكلية، بل يرتبط بصورة التحالف أمام الناخب، وبقدرته على استقطاب أصوات خارج القواعد التقليدية للفصائل. أما البرنامج السياسي، فقد يكون الاختبار الأصعب. يمكن للأطراف أن تتفق على خوض الانتخابات، لكن الاتفاق على البرنامج الذي ستلتزم به القائمة بعد الانتخابات أكثر صعوبة. ما موقفها من السلطة؟ وما رؤيتها لمنظمة التحرير؟ وما موقفها من العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة ومجلس السلام؟ وكيف تتعامل مع ملف السلاح وملف غزة والعلاقة مع الضفة؟ وما رؤيتها للإصلاح السياسي وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟ يمكن تأجيل بعض هذه الخلافات إلى ما بعد الانتخابات، لكن لا يمكن إلغاؤها. وكلما اتسعت القائمة، زادت الحاجة إلى تفاهمات واضحة حول ما يجمع أطرافها وما يختلفون عليه. ثالثًا: العلاقة بفتح وحساباتها الانتخابية إذا تحولت القائمة إلى تحالف واسع، فلن تعود المنافسة الانتخابية محصورة في الثنائية التقليدية بين فتح وحماس، وإنما تصبح مواجهة بين تركيبات سياسية جديدة وغير مألوفة في الحالة الفلسطينية. وقد يكون هذا في صالح فتح انتخابيًا، فكلما اجتمعت قوى متباينة في قائمة واحدة، أصبحت فتح أمام منافس واضح يمكنها خوض الانتخابات في مواجهته بقائمة موحدة، بدل تشتيت أصواتها بين عدة قوائم. كما قد يدفع ذلك الحركة إلى إعادة ترتيب بيتها الداخلي وتوحيد صفوفها، خصوصًا إذا شعرت أن المنافسة أصبحت أكثر جدية. لكن الأمر قد ينقلب عليها إذا نجح الائتلاف في تحويل هذا التقارب إلى تجميع فعلي للأصوات؛ إذ قد يصبح كتلة انتخابية واسعة قادرة على التأثير في حجم تمثيل فتح وإعادة تشكيل موازين القوى داخل المجلس التشريعي. رابعًا: قائمة واحدة أم قوائم متعددة؟ في ظل قانون الانتخابات الحالي، الذي يقوم على 132 مقعدًا، والتمثيل النسبي الكامل، ونسبة حسم 1%، وطريقة سانت لوغي، قد يبدو التحالف منطقيًا من الناحية الانتخابية، لأنه يسمح بتجميع الأصوات داخل قائمة واحدة. لكن من الخطأ افتراض أن جمع الأصوات في قائمة واحدة يعني تلقائيًا الحصول على مقاعد أكثر. فإذا كانت حماس وتيار دحلان قادرين، كل على حدة، على تجاوز نسبة الحسم والحصول على نسبة معتبرة من الأصوات، فقد تكون القوائم المنفصلة أكثر جدوى في بعض السيناريوهات، خصوصًا إذا حافظ كل طرف على معظم أصواته ولم يؤدِ التحالف إلى خسارة جزء من قواعده الانتخابية. وفي المقابل، قد تكون القائمة المشتركة أكثر جدوى إذا أدى تجميع الأصوات إلى تحسين فرص الحصول على مقاعد أكثر مما كان يمكن لكل طرف الحصول عليه منفردًا. لذلك، لا يمكن القول مسبقًا إن القائمة المشتركة أفضل حسابيًا، كما لا يمكن القول إن القوائم المنفصلة أفضل في كل الحالات. الأمر يتوقف على حجم أصوات كل طرف، وقدرته على الاحتفاظ بها داخل التحالف، وطبيعة توزيع الأصوات بين القوائم المنافسة وعددها، وكيفية انعكاس ذلك على توزيع المقاعد. فالتحالف قد يجمع أصواتًا، لكنه قد يخسر أصواتًا أيضًا؛ فليس كل ناخب لحماس مستعدًا بالضرورة للتصويت لقائمة تضم دحلان، وليس كل ناخب لتيار دحلان سيجد نفسه مرتاحًا لقائمة تضم حماس. وبالتالي، فإن القوة الانتخابية للتحالف لا تُقاس فقط بمجموع القواعد الانتخابية للأطراف على الورق، وإنما بقدرتها على التصويت فعليًا للقائمة نفسها داخل صندوق الاقتراع. خامسًا: التحالف بين القوة والضعف والكلفة السياسية المشكلة أن اتساع القائمة قد يكون نقطة قوتها ونقطة ضعفها سياسيًا في الوقت نفسه. فمن جهة، يمنحها تنوعًا أكبر وقدرة على تقديم صورة أوسع من مجرد تحالف فصائلي، ومن جهة أخرى، يجعل الحفاظ على تماسكها أكثر صعوبة؛ لأن بعض الناخبين قد لا يكونون مستعدين للانتقال من التصويت لطرفهم التقليدي إلى قائمة تضم قوى تختلف معه سياسيًا. أما انضمام القوى الصغيرة والشخصيات المستقلة، فيفتح في المقابل أسئلة حول حصتها ومواقع ترشيحها، وهل سيكون تمثيلها حقيقيًا أم مجرد إضافة للقائمة بهدف توسيعها. كما أن التحالف قد يفرض على كل طرف تقديم تنازلات في صورته السياسية. حماس قد تجد نفسها داخل قائمة تضم قوى ذات مواقف مختلفة عنها، وتيار دحلان قد يواجه المشكلة نفسها. وكل طرف سيحتاج إلى حساب ما سيكسبه من التحالف وما قد يخسره من هويته واستقلاليته. وهناك أيضًا المسؤولية السياسية المشتركة. فإذا فازت القائمة، لن يكون من السهل على أي طرف أن يفصل نفسه عن مواقف شركائه. وإذا فشلت التجربة، فلن يكون من السهل تحميل المسؤولية لطرف واحد. لذلك، فإن المكسب الانتخابي لا يعني بالضرورة مكسبًا سياسيًا لكل طرف، وقد يتحول التحالف بعد الانتخابات من وسيلة لتعظيم المكاسب إلى مصدر جديد للانقسام. سادسًا: هل الائتلاف مناورة سياسية للتأجيل أم جزء من ترتيبات سياسية أوسع؟ هناك احتمالان لا ينبغي تجاهلهما عند قراءة فكرة القائمة الائتلافية: الأول، أن تكون مناورة سياسية يمكن استخدامها للضغط باتجاه تأجيل الانتخابات، والثاني، أن تكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني. ولا يعني طرح هذين الاحتمالين أن أحدهما يمثل حقيقة مؤكدة، وإنما هما احتمالان يستحقان النظر في ضوء تعقيدات المشهد وتداخل العوامل الداخلية والخارجية في الحسابات. فالانتخابات الفلسطينية لا تجري في فراغ، خصوصًا في ظل الدور الأمريكي والمسار المتعلق بمستقبل غزة وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم والانتقال السياسي، إلى جانب الدور الإقليمي في هذا المسار. ولا يعني ذلك أن القائمة تُصنع بقرار خارجي، أو أن هناك اتفاقًا دوليًا أو إقليميًا على تشكيلها؛ مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة واضحة. لكن من الصعب أيضًا قراءة هذه التحركات الفلسطينية بمعزل عن النقاش الجاري حول مستقبل غزة، ومن سيحكمها، وكيف سترتبط بالضفة، ومن سيشارك في النظام السياسي الفلسطيني المقبل. ولذلك، فإن شكل القائمة وحده لن يحسم طبيعة هذه الترتيبات، وإنما ستكشفها التفاهمات التي ستتبلور لاحقًا، ومدى ارتباطها بالانتخابات نفسها وبترتيبات المرحلة التي ستليها. سابعًا: العقدة الأكبر.. ما بعد الانتخابات إذا كان الهدف من التحالف تحقيق مكاسب انتخابية، فإن تقاطع المصالح قد يكون كافيًا لتشكيل قائمة مشتركة. أما إذا كان الهدف هو تشكيل أغلبية برلمانية، أو حكومة، أو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، فإن الخلافات التي جرى تجاوزها أو تأجيلها عند تشكيل القائمة ستعود بقوة بعد إعلان النتائج. فالانتخابات يمكن أن تجمع الأصوات، لكنها لا تلغي الخلافات السياسية. وتكمن صعوبة الاختبار الحقيقي في أن الاتفاق على أسماء المرشحين وترتيبهم، رغم صعوبته، سيكون أسهل بكثير من الاتفاق على شكل الحكم والبرنامج السياسي وتوزيع النفوذ وآليات اتخاذ القرار بعد الانتخابات. في النهاية، أرى أن احتمال تشكيل القائمة قائم، لكنه ليس مرتفعًا. والأرجح أن تصل الأطراف إلى صيغة وسطية، كتنسيق انتخابي غير كامل أو قائمة موسعة جزئيًا، أكثر من الوصول إلى قائمة موحدة ومتماسكة. وحتى إذا تشكلت القائمة، فإن نجاحها الانتخابي لن يترجم بالضرورة إلى نجاح سياسي مستدام أو إلى قوة سياسية متماسكة؛ فالمصالح قد تجمع هذه الأطراف في الانتخابات، لكن الخلافات المؤجلة قد تعود إلى الواجهة بعد إعلان النتائج.