الكاتب: رامي مهداوي

خوارزميات الانقسام

نشرت في 16 مايو 2026 10:49 ص

الكاتب: رامي مهداوي

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/430347



 

في المجتمعات المأزومة لا يعود التحيّز مجرّد رأي عابر أو انفعال مؤقت، بل يتحوّل تدريجياً إلى أداة سياسية واجتماعية تعيد تشكيل الوعي العام، وتنتج خرائط جديدة للخصومة والكراهية والاصطفاف. وهذا ما يبدو واضحاً اليوم في الحالة الفلسطينية، حيث لم يعد التحيّز مقتصراً على اختلاف البرامج أو التوجهات السياسية، بل تمدّد إلى داخل النسيج الاجتماعي ذاته، حتى بات الفلسطيني يُعاد تعريفه أحياناً وفق انتمائه التنظيمي أو الجغرافي أو العائلي أو حتى موقفه من حدث سياسي عابر.
لقد مرّ الفلسطينيون تاريخياً بأشكال مختلفة من التحيّز الطبيعي، وهو ذاك المرتبط بتكوين الهوية الجمعية في مواجهة الاحتلال والاستعمار. كان من الطبيعي أن تتعزز سردية «نحن» في مواجهة «الآخر» الإسرائيلي، وأن تُبنى الذاكرة الوطنية على تمجيد الصمود والتضحية والهوية الفلسطينية الجامعة. هذا النوع من التحيّز كان ضرورة وطنية لحماية المجتمع من الذوبان، ولم يكن خطراً طالما بقي موجهاً نحو تعزيز الوحدة الوطنية.
لكن ما نشهده اليوم مختلف تماماً. نحن أمام انتقال خطير من «التحيز الطبيعي» إلى «التحيز المصنوع»، أي ذلك الذي يجري إنتاجه عمداً عبر الإعلام المحلي ومنصات التواصل الاجتماعي وغرف المصالح السياسية، بهدف تشكيل وعي منحاز يخدم طرفاً ضد آخر، أو يعيد هندسة المزاج الشعبي بما يتناسب مع حسابات النفوذ والتمثيل.
في الانتخابات المحلية الأخيرة مثلاً، لم يكن التنافس محصوراً في البرامج والخدمات والقدرة على الإدارة، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى حملات تعبئة نفسية واجتماعية ضد القوائم المنافسة. ظهرت لغة التخوين والإقصاء والتنمر السياسي والعائلي بصورة لافتة، وساهمت بعض الصفحات المحلية في تكريس صورة أن فوز طرف ما يعني «سقوط المجتمع» أو «ضياع المدينة» أو «خيانة التاريخ». هنا لم يعد الإعلام ناقلاً للحدث، بل صار جزءاً من ماكينة صناعة الانقسام.
الأخطر من ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت هذا التحيّز قدرة هائلة على الانتشار والتأثير. فخوارزميات المنصات لا تكافئ العقلانية، بل تكافئ الإثارة والغضب والانفعال. ولذلك يصبح المحتوى الأكثر تحريضاً هو الأكثر انتشاراً، بينما يتراجع الصوت الهادئ والعقلاني. ومع الوقت تتشكّل فقاعات اجتماعية مغلقة، يسمع فيها كل طرف صدى نفسه فقط، ويقتنع أن خصمه ليس مختلفاً معه سياسياً فحسب، بل هو عدوّ أخلاقي ووطني أيضاً.
هذا المشهد يتكرر اليوم بصورة أكثر حساسية مع النقاشات المرتبطة بالمؤتمر الثامن لحركة «فتح». فمن يراقب الفضاء الإلكتروني الفلسطيني يلاحظ حجم الاستقطاب الذي يتجاوز حدود الاختلاف التنظيمي الطبيعي، ليتحوّل إلى عملية فرز حادة بين «فتح الأصلية» و»فتح الحقيقية» و»التيار الشرعي» و»التيار المنحرف»، وكأن الحركة التي شكّلت لعقود العمود الفقري للهوية الوطنية الفلسطينية باتت مهددة بالتشظي عبر خطاب داخلي يتغذى على التحيّز المصنوع أكثر من أي شيء آخر.
هنا لا تعود المشكلة في وجود اختلافات داخل الحركة أو داخل المجتمع الفلسطيني، فالاختلاف أمر طبيعي وصحي أحياناً، بل تكمن الخطورة في الجهات التي تستثمر هذا الاختلاف وتضخمه وتعيد إنتاجه يومياً عبر الإعلام والمنصات الرقمية. فبعض الصفحات والحسابات لا تعمل بوصفها أدوات إعلامية، بل بوصفها غرف عمليات نفسية هدفها تعبئة الأنصار وإثارة المخاوف وإضعاف الخصوم. وهذا النوع من التحيّز المصنوع هو الأخطر، لأنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يصنع واقعاً جديداً قائماً على الشك والكراهية والقطيعة الاجتماعية.
والأخطر فلسطينياً أن المجتمع يعيش أصلاً تحت ضغط هائل: احتلال، حرب مستمرة على غزة، انهيار اقتصادي، تراجع الثقة بالمؤسسات، وانسداد سياسي طويل. وفي مثل هذه البيئات يصبح الناس أكثر قابلية لتصديق الخطابات التحريضية، لأن الإنسان المرهق يبحث دائماً عن تفسير سريع لأزماته، أو عن «خصم داخلي» يحمّله مسؤولية الإخفاق الجماعي.
لهذا فإن كثيراً من التحيزات المنتشرة اليوم ليست نابعة من قناعة فكرية عميقة، بل من حالة إنهاك نفسي واجتماعي عامة. المواطن المحاصر بالخوف والفقر والقلق يصبح أكثر استعداداً للانجرار خلف خطاب الكراهية أو التخوين أو الإقصاء، خصوصاً عندما يُقدَّم له هذا الخطاب في قالب وطني أو أخلاقي أو ثوري.
المعضلة الحقيقية أن استمرار هذا المناخ سيؤدي تدريجياً إلى تفكيك ما تبقى من الروابط الاجتماعية الفلسطينية. فالمجتمع الذي يتحول فيه الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية يفقد قدرته على بناء مشروع وطني جامع. والتاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تسقط فقط بفعل الاحتلالات الخارجية، بل أحياناً بفعل الانقسامات التي تُصنع داخلها بعناية.
ولهذا فإن المعركة الفلسطينية القادمة ليست سياسية فقط، بل معركة وعي أيضاً. معركة ضد تحويل الإعلام إلى منصة تعبئة داخلية، وضد اختزال الوطنية في الولاء لهذا الطرف أو ذاك، وضد تحويل مواقع التواصل إلى ساحات اغتيال معنوي يومي للفلسطينيين بعضهم ضد بعض.
فليس كل تحيز خطراً، لكن أخطر أنواع التحيّز ذاك الذي يُصنع بوعي، ويُغذّى بالخوف، ويُسوَّق باعتباره دفاعاً عن الوطن، بينما هو في الحقيقة يستنزف المجتمع من الداخل، ويحوّل الفلسطيني من شريك في القضية إلى خصم في الساحة نفسها.