نشرت في 16 مايو 2026 10:41 ص
https://khbrpress.ps/post/430346
حظي الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستقبال رسمي مهيب من جانب نظيره الصيني شي جينبينغ، لدى زيارته بكين في الأيام القليلة الماضية، وهو استقبال يترجم بلغة سياسية كاملة تهدف إلى إبراز قوة الصين وأنها لم تعد في الموقع الدفاعي.
الرئيس ترامب يحب «الكشخة» والرمزية الشخصية ويتحمس لأجواء الاستقبالات الفخمة، وهذه المظاهر البروتوكولية تبهره وتضعه في أجواء هادئة لخلق مساحة تفاوضية أقل عدائية، ويبدو أن هذا ما حدث بالفعل خلال زيارته بكين.
لا شك أن الصين استخدمت الاستقبال الفخم كأداة تفاوضية ناعمة، لكنها في المقابل استحضرت رموزها الثقافية والحضارية خلال زيارة ترامب لإبراز الدبلوماسية الامبراطورية التي تترجمها بضرورة احترام مكانتها التاريخية والثقة بصعودها العالمي.
ما يلفت في الزيارة الترامبية أن الزعيم الصيني حذّر من فخ «ثوسيديديس»، قائلاً: إن العالم وصل إلى مفترق طرق، لكن لماذا استخدم هذا المصطلح الذي يعود إلى أكثر من ألفَي عام؟ وهل ستفهم الولايات المتحدة هذا التحذير أو فلنقل هذه الرسالة؟
استحضار هذا المصطلح يشير إلى المؤرخ اليوناني «ثوسيديديس» الذي عاصر الحرب بين إسبرطة وأثينا، واستنتج أن الأخيرة وهي القوة الصاعدة وإسبرطة وهي القوة المهيمنة ستدخلان في حرب شبه حتمية، وهو ما حدث فعلاً وانتهى بحرب طويلة ومدمرة للطرفين.
لم يخفِ الرئيس الصيني في تصريحاته ومظاهر الاستقبال الكبير تبيان أن بلاده اليوم قوة عظمى تشبه أثينا في صعودها، وتمتلك الإمكانيات التي تجعلها في موقع عالمي مكافئ للولايات المتحدة الأميركية، ولها الكلمة والقول في إعادة تشكيل النظام الدولي. هو أراد أن يقول لترامب ومن خلفه واشنطن: إن الاحتكام للعقل وإدارة التنافس سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، سيجنب البلدان المواجهة الحتمية التي قد تفضي إلى حرب كبرى، حتى لو لم يكن يريدها الطرفان.
السؤال المطروح: هل سيتمكن الطرفان من إدارة التنافس الدولي دون الدخول في مواجهة كبرى على طريقة إسبرطة وأثينا؟ وهل سينجحان في تجاوز فخ «ثوسيديديس»؟ هذا السؤال يشغل بال الكثيرين خصوصاً في السنوات الماضية وعلى خلفية الصعود الصيني والتقدم الهائل في مجالات كثيرة.
في حقيقة الأمر لا يمكن الاستغناء عن التاريخ لفهم السؤال المطروح أعلاه، ففي حالة الحرب بين إسبرطة وأثينا، لم يختبر العالم القنبلة النووية والهيدروجينية، فضلاً عن الأسلحة التي تهدد وجود البشرية، وفي نموذج الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي آنذاك والولايات المتحدة الأميركية كانت الحرب الباردة تدار بطرق مختلفة.
بعد الحرب العالمية الثانية وامتلاك بعض الدول القنبلة النووية، أصبحت الحرب تدار بسياسة المواجهة غير المباشرة، لتجنب صراع كوني قد يسبب هلاكاً للبشرية. هذا حدث في النموذج السوفياتي- الأميركي، وأفضى في النهاية إلى انحسار المد الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفياتي.
اليوم هناك قوة عظمى مهيمنة اسمها الولايات المتحدة الأميركية، وهي لن تسمح لأي لاعب دولي منافستها في الهيمنة على العالم، والصين قوة صاعدة ومكافئة وتتوسع شيئاً فشيئاً، وقد تتفوق اقتصادياً على واشنطن خلال السنوات المقبلة.
هذا يفسر لماذا تخصص واشنطن مئات مليارات الدولارات لتطوير أسلحتها واستحداث أسلحة جديدة تغير مسار أي صراع مستقبلي، وفي المقابل لا تتوقف الصين عن إنتاج أسلحة وتدخل أخرى إلى أسطولها العسكري.
أما في العودة إلى السؤال المطروح أعلاه، فيمكن القول: إن واشنطن وبكين ستتجنبان الحرب المباشرة، لأن هذه المواجهة ستعني كلفاً باهظة جداً واحتمال عدم الحسم، في حين سيترسخ التنافس الدولي وسيدار بطرق تجعل من حروب الوكالة أمراً لا بد منه.
سيمضي كل بلد في استخدام قواه الدبلوماسية وأصوله الاقتصادية والعسكرية لتحقيق تفوقه الإستراتيجي. في واشنطن هناك مئات القواعد العسكرية المنتشرة في العالم، واقتصاد يطمح للبقاء في الطليعة، وأما بكين فهي تنمو في بحر الصين الجنوبي وتبذل الغالي والرخيص للتفوق الاقتصادي العالمي.
الحرب الباردة أساساً بدأت بين البلدين لكنها في حدود المواجهة الناعمة، والتنافس على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقوة على أشده بينهما، اللهم أن بكين تتفوق على واشنطن في استخدام الدبلوماسية الناعمة والقوة الاقتصادية للتفاعل مع العالم، بينما تستخدم واشنطن الدبلوماسية الخشنة والضغط الاقتصادي للحصول على منافع مادية.
التاريخ اختبر صعود دول وإمبراطوريات وأفولها، وهيمنة أخرى جديدة كلياً على الساحة. السيرورة التاريخية تشي أن القوى الكبرى لا تُخلّد وتبقى في الطليعة إلى أبد الآبدين. سيأتي يوم تنحسر فيه القوة الأميركية وتنهض قوى أخرى ربما هي الصين أو غيرها.