نشرت في 13 فبراير 2026 10:04 ص
https://khbrpress.ps/post/426596
حين يُدرج نتنياهو فيما يُسمّى «مجلس السلام الدولي لإدارة غزة»، فإننا لا نواجه مفارقة سياسية فحسب، بل نواجه ذروة الهيمنة الإمبراطورية التي لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تسعى لامتلاك الحق في تعريف "الحقيقة". إن السؤال هنا ليس إجرائياً، بل هو سؤال عن سلطة التمثيل: كيف يمكن لمن صاغ منطق الإبادة أن يُنصّب نفسه مهندساً للسلام؟ وأيّ إدارة يمكن أن تُبنى على أنقاض شعب يُباد ثم يُطلب منه أن يشكر جلاديه بوصفهم "شركاء في الحل"؟
إن إشراك الجلاد في صياغة مستقبل الضحية هو تجسيد لما يمكن تسميته بـ "الاستشراق الإداري"؛ حيث تُختزل غزة من سياقها كقضية تحرر وطني لتصبح مجرد "ملف تقني" أو "كتلة بشرية فائضة" تحتاج إلى ضبط وتدجين. وكما كان المستشرق قديماً يصوّر الشرقي ككائن عاجز عن تمثيل نفسه، تسعى الإدارة الدولية اليوم إلى سلب الفلسطيني حقه في الكلام، لتتحدث بالنيابة عنه، وتقرر مصيره في غرف مغلقة، محولةً الدمار من جريمة كبرى إلى "ضرورة إنشائية" لإعادة هندسة الوجود السياسي الفلسطيني.
ليس في منطق العلوم السياسية ما يفسّر هذا المشهد بوصفه خطأً في الحسابات، بل هو تعبير فاضح عن انتقال السياسة الدولية من حيّز التوازن إلى حيّز الوقاحة الإمبراطورية. إن إشراك نتنياهو ليس مجرد شرعنة للإبادة، بل هو محاولة لفرض "أبستمولوجيا" (نظام معرفي) جديدة، تُعرّف المحو المادي للشعب الفلسطيني بوصفه مرحلة تطهيرية تسبق "الاستقرار". هنا، يصبح الدمار شرطاً مسبقاً للإدارة، وتتحول القوة العارية إلى مرجعية وحيدة للحق.
في هذا السياق، تخلع الولايات المتحدة قناع "الوسيط" لتكشف عن وجهها الحقيقي كـ مهندس لرؤية كولونيالية جديدة. هي لا تدعم الاحتلال فحسب، بل تُعيد صياغته ضمن "خطاب عقلاني" زائف، يحوّل السيطرة العسكرية إلى "وصاية أخلاقية". إنها تمارس ما أسماه إدوارد سعيد بـ "تغطية الإسلام" (أو تغطية فلسطين)؛ أي حجب الحقيقة التاريخية خلف ستار كثيف من المصطلحات التقنية والأمنية، حيث تُقاس الحقوق بمعايير الأمن الإسرائيلي، وتُختزل العدالة في حدود "الممكن الإمبراطوري".
هنا لا يعود السلام مفهوماً أخلاقياً، بل يتحول إلى أداة خطابية لتصفية القضية الفلسطينية تدريجياً... إنه سلام يُبنى على أنقاض الحق، ويُدار بأيدي من نفّذوا الجريمة، ويُسوّق للعالم بوصفه "حلاً واقعياً". إن ما يحدث هو محاولة بائسة لتمكين الجلاد من كتابة "رواية الضحية"، ومصادرة مستقبلها عبر تحويل قضيتها من صرخة من أجل الحرية إلى مجرد معاملة إدارية في أروقة القوى العظمى.
هذا المشهد ليس مجرد احتلال، بل تجربة إبستمولوجية تحوّل القوة إلى معرفة، والمعرفة إلى أداة لشرعنة الظلم، حيث يُسحق معنى الإنسان ويعاد تصنيعه في شكل "مشروع سياسي تقني" خالٍ من الأخلاق، وتتحول الذاكرة إلى سجادة للمرايا الكاذبة، والوجود إلى "ملف إداري" يُنظّم وفق رؤية الجلاد. غزة هنا ليست أرضًا، بل اختبارٌ للحقيقة نفسها، حيث يتحوّل الدم والدمار إلى شروط مسبقة للسلام، والقتل اليومي إلى أبجدية الإدارة، والحق إلى فكرة قابلة للترميز، بينما يظل الشعب الفلسطيني أسيرًا بين الحقيقة الممزقة والسلطة المطلقة للجريمة.