نشرت في 08 فبراير 2026 11:24 ص
https://khbrpress.ps/post/426416
أعاد المرسوم الأخير الذي أصدره الرئيس محمود عباس، والقاضي بتحديد الأول من نوفمبر موعدًا لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، فتح نقاش سياسي طال كتمه داخل الساحة الفلسطينية، يتمحور حول الإصلاح والتمثيل ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني. وقد تلا هذا الإعلان سريعًا تداول مسودة دستور انتقالي، إلى جانب جدول انتخابي مزدحم يشمل انتخابات بلدية-محلية في أبريل، وانتخابات داخلية لحركة فتح في مايو، وانتخابات المجلس الوطني في نوفمبر. على الورق، هذا التسلسل يعكس زخمًا سياسيًا لتفعيل الديمقراطية. أما على الأرض، فالحماسة الشعبية لا تزال محدودة بشكل لافت.
لطالما تطلّع الفلسطينيون إلى إجراء انتخابات، كمدخل للمساءلة والتجديد واستعادة الشرعية. ومع ذلك، فإن المزاج العام اليوم يتسم بالحذر. فالشروط البنيوية والسياسية والميدانية ذاتها التي استُخدمت لتبرير تأجيل انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام ٢٠٢١ ما زالت قائمة: السيطرة الإسرائيلية على الحركة ومنع عقد الانتخابات في القدس الشرقية، الانقسام السياسي، وغياب أي ضمانات حقيقية لإجراء انتخابات حرة وشاملة. كما أن توقيت الإعلان بحد ذاته يثير تساؤلات, فقد التزم الرئيس عباس صيف ٢٠٢٥، أمام قادة عرب وغربيين وخاصة ما جاء تمهيدا لاعلان نيويورك للتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين بقيادة السعودية وفرنسا، بإجراء انتخابات خلال عام من انتهاء الحرب على غزة. ويفسّر البعض وقف إطلاق النار في أكتوبر ٢٠٢٥ على أنه نهاية تلك الحرب، رغم استمرار القتل والدمار والأزمة الإنسانية. وإذا ما اعتُمد هذا التفسير، فإن تحديد موعد الانتخابات في الأول من نوفمبر٢٠٢٦ يتقاطع مع سقف العام الواحد، بما يفي بالتزامات خارجية، دون أن يحسم ما إذا كانت الوقائع الجوهرية للاحتلال والانقسام قد تغيّرت فعليًا.
الأهم من ذلك، أن إعطاء الأولوية لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني بدلًا من انتخابات المجلس التشريعي يحمل دلالات سياسية عميقة. فهو يشير، ولو رمزيًا، إلى إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية على حساب السلطة الوطنية الفلسطينية. ويمكن قراءة هذه الخطوة بطريقتين: المتفائلون قد يرون فيها محاولة لإحياء منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد لجميع الفلسطينيين، بمن فيهم أبناء الشتات. أما المنتقدون، فيعتبرونها التفافًا على الإصلاحات الأكثر إلحاحًا داخل بنية السلطة الوطنية نفسها. في ربيع 2025، عقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير (وهو الجسم التشريعي المصغر عن المجلس الوطني داخل المنظمة) اجتماعًا رفع فيه نسبة تمثيل النساء من 21% إلى 30%، التزامًا متأخرًا بنظام الكوتا. ومع ذلك، ظلّ المجلس الوطني، بوصفه الهيئة التشريعية للمنظمة، شبه معطّل لعقود؛ إذ لم يعقد جلسة كاملة سوى مرة واحدة عام 2018، بعد انقطاع دام 22 عامًا، رغم أن نظامه الداخلي ينص على اجتماعات سنوية. تزامن ذلك مع حلّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس المجلس التشريعي الفلسطيني في 12 ديسمبر 2018، وذلك استنادًا إلى قرار صادر عن المحكمة الدستورية العليا. وعلى مدار السنوات، تراجع دور منظمة التحرير العملي لصالح السلطة التنفيذية في السلطة الوطنية الفلسطينية. من هذا المنظور، يمكن النظر إلى الإعلان باعتباره خطوة رمزية أكثر منها تحولًا بنيويًا. فإجراء انتخابات لهيئة ذات صلاحيات تشغيلية محدودة قد يُنظر إليه على أنه «مسرح إصلاح» موجّه للخارج، لا إعادة هيكلة حقيقية للحكم الفلسطيني. ويبدد هذه المخاوف التعديل الأخير على قانون الانتخابات، الذي يربط المشاركة الديمقراطية بالالتزام السياسي ببرامج منظمة التحرير وتعهداتها. ورغم تقديم هذا الشرط بوصفه حماية للإجماع الوطني، إلا أنه في الوقت ذاته يضيّق هامش التعددية السياسية في لحظة يعاني فيها المجتمع الفلسطيني أصلًا من انقسام عميق.
تزامن الإعلان الرئاسي عن موعد انتخابات المجلس الوطني للمنظمة مع اصدار مسودة الدستور الانتقالي لمرحلة الدولة، يعيد تعريف أهمية هذه الانتخابات خاصة اذا ما اشارت مسودة الدستور الانتقالي إلى شكل جديد من السلطة التشريعية باستبدال المجلس الوطني الفلسطيني بهيئة تشريعية شبيهة بمجلس النواب لدولة فلسطين، تضم 200 عضو من الداخل و150 من الشتات. وإذا ما جرى تطبيق هذا التصور بجدية، فقد ينتقل المجلس الوطني من كونه مظلة رمزية إلى مؤسسة تشريعية فاعلة، تعيد ربط الفلسطينيين عبر الجغرافيا، وتستعيد قدرًا من الوكالة السياسية الجماعية لدولة فلسطين التي تلغي نظريا المجلس التشريعي للسلطة وتلغي معها المجلس الوطني للمنظمة لصالح شكل "حضاري" من السلطة التشريعية تتجاوز مرحلة السلطة الى الدولة, تحديد مواعيد لعقد الانتخابات العامة على المستوى البلدي والحزبي والتشريعي يذكرنا بأهمية تحديد موعد للانتخابات على المستوى الرئاسي. يتوقف نجاح وسم ٢٠٢٦ بالديمقراطية على الإرادة السياسية. فإذا جرى التعامل مع الانتخابات باعتبارها إجراء امتثاليًا لإرضاء المانحين والحلفاء والمنابر الدبلوماسية، فإن الشكوك ستتحول إلى خيبة أمل أعمق. أما إذا كانت جزءًا من مسار إصلاحي صادق لإعادة بناء المؤسسات، وتوزيع السلطة، واستعادة ثقة الجمهور، فقد تشكّل خطوة أولى حذرة نحو التجديد. يتابع الفلسطينيون المشهد بأملٍ حذر. فالانتخابات قد تلوح في الأفق، لكن الشرعية — وهي الغاية الحقيقية — ما تزال موضع سؤال مفتوح.