نشرت في 07 يونيو 2026 12:00 ص
https://khbrpress.ps/post/431167
من تابع إسرائيل في الأشهر العشرة التي فصلت بين تشكيل حكومة نتنياهو الأخيرة في الثامن والعشرين من كانون الأول 2022 وبين السابع من تشرين الأول 2023 كان لا بد أن يرى اللحظة التي وصل فيها الصدام ذروته بين مكوناتها، ليس لجهة الصراع على السلطة بل لجهة هوية الدولة ومؤسساتها بين حكومة من الخارجين عن القانون الذين يريدون الانتقام من القانون وبين بقايا معارضة علمانية أصيبت بالهزيمة في الانتخابات تخرج للشوارع أسبوعياً في محاولة يائسة للحفاظ على دولة القانون.
إسرائيل دولة قانون «هذا لا ينطبق على الفلسطينيين ما استدعى توصيفها بالدولة الإثنوقراطية أي ديمقراطية الإثنية الواحدة»، ديمقراطية للداخل الإسرائيلي ولهذه الديمقراطية مؤسساتها التي يحرسها القانون الذي شهد في تسعينيات القرن الماضي ثورة هائلة قادها الفقيه الدستوري العالمي القاضي أهارون باراك ليجعل من سلطة القضاء في إسرائيل تعلو على السلطتين التنفيذية والتشريعية وتلك كانت سابقة في هيكلة الدول جعلت إسرائيل محط أنظار سبقت كثيراً من الديمقراطيات الغربية في سيادة سلطة القضاء وصلاحياتها.
لقد أعاد أهارون باراك هيكلة الدولة عندما تسلم رئاسة المحكمة العليا عام 1995 من خلال جعل قضاة الدولة ومستشاريها القانونيين والمحكمة العليا مرجعيات القرار والتشريع.
فالمحكمة العليا تعلو على الكنيست كمرجعية لها وبإمكانها شطب أي قانون يقره الكنيست، وكذلك جعل من منصب المستشار القانوني للحكومة مرجعية لقراراتها ولا يمكن اتخاذ أي قرار تعترض معه تلك المرجعية، وكذلك في الوزارات حيث وضع لكل وزير مستشار بصلاحيات وقف قرار للوزير إذا رأى من المناسب.
وهكذا أصبحت الدولة تدار بالجهاز القضائي وخضعت باقي السلطات لسلطته ما جعل إسرائيل تشق تجربة فريدة صارت محل إعجاب دول العالم.
تمكنت المستشارة القانونية من منع رئيس حزب كبير مثل حركة شاس الحاخام أرييه درعي من تقلد منصب وزير، وأرجعت المحكمة العليا عدداً من قوانين الكنيست لتعارضها مع قانون الأساس، ومنع مستشارون قانونيون قرارات اتخذها وزراء بينهم بن غفير.
وهكذا ومنذ أن تشكلت هذه الحكومة التي ضمت الخارجين عن القانون بدأت إجراءات هدم دولة القانون، وهذا ما كان ينتظره كل خصوم إسرائيل أن يتم إعدام القانون وجرها للوراء لتنضم لنادي دول العالم الثالث.
بن غفير صاحب تاريخ بخمسين لائحة اتهام منها ثمان جنائية والباقي أعمال شغب ضد الشرطة والدولة، أما سموتريتش فقد ضبط متلبساً بعبوات مولتوف ليلقيها على الجيش الإسرائيلي الذي ينسحب من غزة عام 2004.
تصادف هؤلاء المعادون للقانون مع رئيس وزراء هو الأكثر فساداً في تاريخ إسرائيل تلاحقه المحكمة بأربع تهم تمكنت الشرطة من تحويل بعض المتهمين معه إلى شهود.
وهكذا تشكلت عصابة لم تكن لها أولوية سوى القضاء على دولة القضاء والانتقام من القانون يضاف إليهم حزبا شاس ويهدوت هتوراة اللذان تقف لهما المحكمة بالمرصاد أمام تحويل الميزانيات الهائلة التي يحصلان عليها ابتزازياً بالإضافة لرفض المستشارة القضائية تعيين رئيس أحدهما وزيراً لسابقة سجن بسبب سرقة أموال الوزارة، وهكذا تشكلت جبهة متينة معادية لإسرائيل القانونية وهذا ما كنت أنتظره أنا وكل المتابعين للشأن الإسرائيلي.
كلفت الحكومة المحامي وزير العدل الليكودي ياريف ليفين بالتحضير لشطب كل تلك القيود وتحجيم سلطة القضاء وتحطيمها بل وجعلها حالة ذيلية تابعة للسلطة التنفيذية وهو ما أطلق عليه «بالثورة القضائية» والتي لو نجحت لقضت على إسرائيل كدولة ديمقراطية وأخرجتها من نادي الديمقراطيات نحو الدولة الثيوقراطية العالمثالثية وإفقاد إسرائيل أهم ممكنات قوتها الداخلية، حيث تماسك الدولة وكذلك الخارجية حيث ينظر لها كدولة رائدة في المجال الدستوري يتعلم منها العالم.
في أميركا دولة القانون بإمكان الرئيس عزل رئيس الأركان أو مدير المخابرات، لكن في إسرائيل فلا بل وبإمكان المستشار القانوني أن يرفض تعيين مسؤول لأحد الأجهزة الأمنية وهذا غير موجود في العالم.
وللحظة كادت إسرائيل الدينية القومية الشعبوية الفاسدة تنتصر على إسرائيل الديمقراطية المتقدمة.
جميعنا كان ينتظر تلك اللحظة ونحن نتحضر لاستقبالها في نادي الدول المتخلفة مدركين تماماً أن الانقسام في إسرائيل والتظاهرات في الشوارع لن توقف تدهور الحالة التي تتقدم بسرعة على يد بلطجية الحكومة، لأن كل الائتلاف الحاكم وأحزابه اجتمعت على هدم دولة القانون التي تشكل قيداً على ابتزازهم وفسادهم ومنعهم من إقامة دكتاتورية شعبوية.
كان الانقسام يشتد في إسرائيل وكانت الدولة تنفجر في الشوارع.
صراع في الميادين بين الدولة العميقة والشعبويين بين الجيش والحكومة بين الساحل والجبل بين المدينة والمستوطنة، كانت شركات الهاي تيك تتجهز للرحيل وكان الشيكل يتهاوى مع عجز من محافظ بنك إسرائيل عن فعل شيء والتمرد في الجيش وبين الطيارين، وبدأ رحيل العقول والكفاءات ورجال الأعمال. كل هذا كان يحدث في دولة كانت على وشك العنف.
وفي أثناء ذلك جاء السابع من أكتوبر والضربة التي قامت بها حماس لتوقف كل هذا. كيف ولماذا ؟ لا إجابة سوى أن ما سميت الثورة القضائية أزيحت عن جدول الأعمال، إذ دخلت الدولة في حالة حرب يتساقط فيها الجنود وتتعرض لصواريخ من غزة ولبنان فلا يجوز الاستمرار بترف النقاش القانوني، وعادت للقانون هيبته بل تصالحت حكومة نتنياهو مع القاضي أهارون باراك لترسله ممثلاً لها في المحكمة الدولية ليحضر جلسة واحدة ويعتذر.
مناسبة الحديث الآن أنه يجري حل الكنيست وهذا يمنعها في الفترة المتبقية من إقرار تشريعات.
فهل يمكن القول إن واحداً من نتائج السابع من أكتوبر هو أنه أدى إلى تحصين دولة القانون في إسرائيل بعد أن كانت على وشك الانهيار؟
وكيف كان يفكر من قام بالسابع من أكتوبر وهو يرى إسرائيل الدولة القوية التي لا تنهزم إلا من الداخل فقرر التدخل من الخارج وإنهاء سرطان الداخل ؟
أهكذا تدار السياسة ؟ ويل لشعوب يديرها الهواة ...!