بقلم مصطفى إبراهيم

ماذا يريد ترامب من التلويح بضرب إيران؟

نشرت في 23 فبراير 2026 11:16 ص

بقلم مصطفى إبراهيم

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/426985

ليس السؤال ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيضغط على الزناد، بل ماذا يريد أن يحقّق قبل أن يفعل. فالحشود العسكرية في الخليج، وحاملات الطائرات التي تتقدّمها “يو إس إس أبراهام لينكولن” و“يو إس إس جيرالد فورد”، ليست مجرد استعراض قوة، بل رسالة سياسية مركّبة عنوانها: إعادة تعريف قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وإجبار إيران على التفاوض من موقع أضعف.

ترامب لا يتحرك في فراغ. هو يدرك أن حرباً شاملة مع إيران مقامرة مكلفة وغير مضمونة النتائج، وقد تنقلب عليه داخلياً. لذلك يبدو أنه يبحث عن معادلة أكثر دقة: ضربة محدودة، محسوبة، عالية التأثير، تُضعف قدرة الردع الإيرانية من دون أن تفتح أبواب جحيم إقليمي شامل. إعادة ضبط ميزان القوى، لا إسقاط الطاولة.

منذ انسحابه من الاتفاق النووي في ولايته الأولى، بنى ترامب مقاربته على “الضغط الأقصى”. اليوم يعيد إنتاجها بصيغة عسكرية. يمنح مهلة، يتحدث عن الدبلوماسية، لكنه يلوّح بالقوة في الخلفية. يريد اتفاقاً يتجاوز النووي، ليشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني، وهو ما ترفضه طهران التي تصر على حصر التفاوض في الملف النووي.

التسريبات التي نشرها موقع اكسيرس حول خطط قد تطال حتى المرشد الإيراني علي خامنئي ليست تهديداً عابراً، بل جزء من لعبة ضغط نفسي وسياسي: إيصال رسالة بأن كل الخيارات مطروحة، حتى تلك التي تعني عملياً الانتقال إلى مرحلة تغيير النظام.

لكن هل يريد ترامب فعلاً إسقاط النظام الإيراني؟ هنا تتعقّد الصورة.
الإطاحة بالنظام مغامرة كبرى بلا ضمانات. وزير الخارجية ماركو روبيو أقرّ بصعوبة التنبؤ بما سيحدث إذا سقطت القيادة الإيرانية. والتجربة العراقية لا تزال ماثلة في الذاكرة الأميركية: إسقاط سريع، وفوضى طويلة. لذلك يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو استهداف أدوات القوة لا رأس النظام: ضرب بنية الحرس الثوري الإيراني، شلّ القدرات الصاروخية، وإضعاف شبكات النفوذ الإقليمي. إنها حرب لإجبار ايران على إعادة حساباتها، لا لإسقاطها — على الأقل في الحسابات المعلنة.

غير أن قراءة اللحظة الراهنة تقتضي مقارنة ضرورية مع السابع من أكتوبر. آنذاك كانت إسرائيل في حالة صدمة، وكان محور المقاومة في موقع قوة نسبية، ما دفع إدارة جو بايدن إلى حشد قواتها لردع أي تدخل إيراني مباشر. طهران اختارت عدم الانخراط، عبر رسائل غير مباشرة أكدت التزامها بقواعد الاشتباك. ذلك القرار يُنظر إليه اليوم، في بعض التقديرات، كسوء تقدير استراتيجي كلّفها أثماناً متراكمة. أما اليوم، فتبدو إيران ومحورها في موقع أضعف نسبياً، ما قد يدفع واشنطن وتل أبيب إلى اعتبار اللحظة فرصة لإعادة رسم المعادلة الإقليمية.

لا يمكن فصل التهديد العسكري عن السياق السياسي الأميركي. ترامب يقدّم نفسه بوصفه الرئيس الذي “يعيد الردع” ويحقق السلام بالقوة. بعد وقف إطلاق النار في غزة، يسعى إلى تثبيت مقاربة أميركية–إسرائيلية مشتركة لإعادة تشكيل الإقليم. ضربة لإيران، حتى لو كانت محدودة، يمكن تسويقها داخلياً كدليل على الحزم والقدرة على فرض الشروط.

لكن المعارضة الديمقراطية تحذّر من الانجرار إلى مستنقع جديد من دون تفويض واضح من الكونغرس. وأي تصعيد خارج السيطرة قد يتحول إلى عبء سياسي ثقيل.

المعضلة أن “الضربة المحدودة” تفترض أن الطرف الآخر سيقبل بالقواعد الجديدة. إيران توعدت بالرد، ولديها أوراق إقليمية متعددة. القواعد الأميركية في الخليج أهداف محتملة، ومضيق هرمز شريان حيوي للطاقة العالمية. أي اشتباك واسع قد يتحول إلى تصعيد متدحرج يصعب احتواؤه. كما حذّر ريتشارد هاس، لا أحد يستطيع الجزم بأن المواجهة ستُضعف النظام الإيراني؛ فقد تعيد توحيد الداخل حوله.

في المحصلة، يريد ترامب ثلاثة أمور متداخلة: اتفاقاً أوسع من النووي يعيد صياغة الدور الإيراني، استعادة صورة الردع الأميركي بعد سنوات من التآكل من وجهة نطره، وإنجازاً سياسياً داخلياً يثبت أنه قادر على فرض شروطه بالقوة إذا لزم الأمر.

فالشرق الأوسط لا يعاقب فقط من يبدأ الحروب، بل من يعتقد أنه يستطيع التحكم في نهاياتها. فالضربة قد تبدو سهلة في بدايتها، لكنها تنطوي على تداعيات تتجاوز الحسابات الأميركية، وقد تمتد إلى اكثر من منطقة كلبنان  والخليج. أي مغامرة عسكرية، حتى لو كانت محدودة، تحمل مخاطرة لا يمكن التنبؤ بها، وتعيد التأكيد أن التاريخ في هذه المنطقة لا يكافئ القوة وحدها، بل يختبر قدرة من يقرر إشعال النار على توقعاتهم في نهاية المشهد.