بقلم رائد حسنين

من يرحل؟

نشرت في 09 سبتمبر 2026 12:01 م

بقلم رائد حسنين

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434995

لسنا فئران سفينة تبحث عن الطعام على أرصفة موانئ العالم، ولسنا شعبًا فائضًا عن الحاجة يمكن اقتلاعه من أرضه وإعادة توزيعه على خرائط الآخرين.

من أكثر المصطلحات قهرًا وإهانةً أن يُطلب من صاحب الأرض أن (يهاجر)، فيما من يطالبه بالرحيل جاء إلى أرضنا مهاجرًا ومستعمرًا ومستوطِنًا، ثم أراد أن يجعل من اقتلاع الفلسطيني قدرًا جديدًا.

لقد جُرّبت فينا كل أدوات النكبة والاحتلال والحصار والحرب والتهجير، وكان الرهان دائمًا أن نرحل ونختفي. لكننا، في كل مرة، خرجنا من تحت الركام أكثر تمسكًا بفلسطين. وقد نحمل جنسيات العالم، لكن لا جنسية تستطيع أن تسقط عنا فلسطينيتنا، ولا منفى يستطيع أن يلغي وطننا.

إن إعادة طرح مخطط تهجير سكان قطاع غزة ليست مبادرة سياسية من وزير الحرب الصهيوني وحكومة نتنياهو، بل امتداد لحربٍ صنعت بالدمار والنزوح شروط الرحيل، ثم تحاول تقديمه تحت عناوين مثل (الهجرة الطوعية) و(الحلول الإنسانية) وهم سبب مأساة شعبنا.

لكن الرحيل لا يكون طوعيًا حين يُدمَّر البيت، وتُحاصر سبل الحياة، ويُحرم الإنسان من الماء والغذاء والدواء والمأوى. حين تُجعل الأرض غير قابلة للحياة ثم يُطلب من أهلها مغادرتها، فإن التهجير يصبح وجهًا آخر للحرب استكمالا لجريمة الإبادة الجماعية.

إن ما عجزت القوة العسكرية عن فرضه، يحاول المشروع السياسي الصهيوامريكي فرضه عبر تغيير الواقع الديموغرافي. ولذلك فإن إعادة الإعمار ليست قضية إنسانية فقط، بل معركة لمنع التهجير وتثبيت الفلسطيني في أرضه، لذلك لازال ما يسمى مجلس السلام  وحكومة الاحتلال يراهنان على الوقت.

غزة لا تحتاج إلى ممرات للرحيل، بل إلى تحسين شروط للحياة: بيت يُبنى، ومدرسة تُفتح، ومستشفى يعمل، وماء صالح للشرب وغذاء وكرامة وأمان. وإعادة إعمارها يجب أن تكون لإعادة الفلسطينيين إلى حياتهم، لا لإعادة إنتاج النزوح بصورة دائمة.

كما أن مواجهة هذا المشروع تتطلب وحدة فلسطينية حقيقية تتجاوز الانقسام والحسابات الفصائلية، واستراتيجية وطنية تجعل من حماية الإنسان الفلسطيني وحقه في البقاء وتقرير مصيره أولوية لا تقبل المساومة.

أما المجتمع الدولي، فلم يعد كافيًا أن يصدر بيانات الإدانة والقلق. المطلوب إجراءات سياسية وقانونية ملموسة تمنع التهجير، وتحمي حق الفلسطينيين في العودة إلى مناطقهم، وتمنع تحويل النزوح المؤقت إلى اقتلاع دائم.

غزة ليست أرضًا قابلة للإفراغ، وأهلها ليس مجموعة سكان يمكن نقلهم من مكان إلى آخر.

نحن أصحاب أرض نحاول أن ننجو فوقها، لا أن نهرب منها.

حتى لو حملنا جنسيات متعددة، وقد تفرقنا المنافي، لكن فلسطين تبقى فلسطين.

سنخرج من الركام كما خرجنا دائمًا: فلسطينيين، متمسكين بأرضنا، وبحقنا في البقاء والعودة وتقرير المصير.