بقلم مرال قطينة

هاكابي: إسرائيل تسيطر على "قطعة كبيرة" من الشرق الأوسط: قراءة في انكشاف العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية وسقوط الأقنعة

نشرت في 22 فبراير 2026 10:20 ص

بقلم مرال قطينة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/426942

لم يصل تاكر كارلسون إلى القدس، لكنه وصل إلى قلب الفضيحة السياسية. لم يدخل المدينة، لكنه اخترق الجدار الرمزي الذي يحمي الرواية الرسمية. لم تطأ قدماه حجارة البلدة القديمة، لكن كلماته لامست البنية العميقة للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، تلك العلاقة التي لا تقوم على التحالف، بل على التماهي، ولا على الشراكة، بل على التبعية الوظيفية.
حاور السفير الأمريكي مايك هوكابي، فخرج من المقابلة ليجد منتج برنامجه في قبضة الأمن الإسرائيلي، محاصرًا بالتحقيق والاستجواب، بينما فريقه محاط برجال وصفهم كارلسون صراحة بالبلطجية. لم يكن المشهد أمنيًا عابرًا، بل صورة مكثفة لدولة بوليسية ترى في الكاميرا خطرًا، وفي السؤال تهديدًا، وفي الصحافة عدوًا.
اللقاء لم يكن صدفة. هوكابي نفسه طلبه علنًا في تغريدة على منصة "إكس"، بعد حلقة صوّرها كارلسون في الأردن عن المسيحية والمسيحيين في الأراضي المقدسة. لكن ما إن انتهى الحوار حتى تحوّل المشهد إلى فضيحة سياسية وإعلامية، وتحوّل السؤال من مضمون المقابلة إلى سؤال وجودي: هل الصحفي الأمريكي نفسه أصبح هدفًا أمنيًا في دولة تدّعي الديمقراطية؟
ما جرى لم يكن حادثة فردية، بل عرضًا سياسيًا لنظام كامل. نظام لا يتسامح مع الأسئلة، ولا يحتمل النقد، ولا يقبل إلا الطاعة. نظام يعتبر الإعلام خطرًا، والرواية الحرة تهديدًا، والكلمة غير المنضبطة اختراقًا أمنيًا.
بعد حرب الإبادة في غزة تغيّر كارلسون. لا يمكن إنكار ذلك. تغيّر خطابه، تغيّر برنامجه، تغيّر جمهوره، تغيّرت زاوية نظره للعالم. لم يتحول إلى مدافع عن فلسطين، ولم يصبح حاملًا لرايتها، لكنه خرج من القفص الأيديولوجي المغلق الذي عاش فيه طويلًا. خرج من خطاب "أمريكا العظيمة" بوصفه عقيدة مقدسة، وبدأ يرى التناقضات، يرى العفن تحت الشعارات، يرى العنف تحت اللغة الناعمة، يرى الاحتلال تحت خطاب الديمقراطية.
أختلف معه جذريًا. لا أشاركه رؤيته للعالم، ولا خلفيته الفكرية، ولا أيديولوجيته اليمينية، ولا مشروعه السياسي، لكنني أحترم لحظة الخروج من القطيع. أحترم كونه قرر أن يسمع المختلفين عنه، أن يحاورهم، أن يسأل بدل أن يردد، أن يشك بدل أن يقدّس، أن يفكك بدل أن يبرر. وهذا وحده كافٍ ليجعله أكثر شرفًا من أبواق إعلامية عربية وغربية تحولت إلى أدوات دعاية للكيان، ومن مقدّمين متصهينين يمارسون الاغتصاب الرمزي للرواية الفلسطينية باسم المهنية.
كارلسون يصدم جمهوره لأنه هو نفسه مصدوم. مصدوم من دولة تتحدث عن الحرية وتمارس القمع. عن ديمقراطية تصدّر القيم وتموّل الإبادة. عن خطاب حقوقي يبرر قتل الأطفال. صدمته تشبه، بشكل معكوس، صدمة الفلسطيني الذي يرى السفير الأمريكي يتحدث عن "الحق الوجودي للكيان"، وعن "حق أجداد نتنياهو في فلسطين"، ويبرر قتل المدنيين والصحفيين والأطفال في غزة بوصفه "دفاعًا عن النفس".
سخرية كارلسون من نظافة مطار بن غوريون لم تكن تعليقًا ساخرًا عابرًا، بل تفكيكًا رمزيًا لدولة نظيفة الشكل، قذرة الجوهر، حديثة البنية، متوحشة السلوك لا أخلاقية ، متقدمة التكنولوجيا، بدائية الأخلاق. دولة تسجيل ومراقبة وتجسس، دولة أمن شامل، دولة كاميرات أكثر من مدارس، وسجون أكثر من مكتبات، وقوانين طوارئ أكثر من قوانين حياة.
لكن القنبلة السياسية الحقيقية كانت حين قال كارلسون إن سفارة بلاده نفسها نسّقت ضده حملة ممنهجة، بدأت قبل وصوله إلى تل أبيب، عبر تسريبات وحرب بروباغندا وتشويه، دون أي تواصل رسمي، ودون أي مساءلة. سأل بوضوح: لمن يعمل هوكابي؟ نحن أمريكيون، هو سفيرنا، ندفع راتبه من ضرائبنا، لكنه يعمل لصالح حكومة أجنبية، يكرر أكاذيبها، يدافع عن روايتها، ويصطف معها ضد مواطني بلده.
ثم قال الجملة الأخطر: إذا كنت أمريكيًا في إسرائيل، فإن حكومتك ستأخذ صف إسرائيل، لا صفك. وإذا كنت أمريكيًا داخل أمريكا، ستأخذ حكومتك أيضًا صف إسرائيل. هذا هو جوهر الأزمة. هذه ليست علاقة تحالف، بل علاقة انقلاب سيادي. هذه ليست شراكة، بل مصادرة قرار. هذه ليست سياسة خارجية، بل ارتهان بنيوي.
هنا، تسقط كل الأساطير. تسقط أسطورة الدولة الوطنية. تسقط أسطورة السيادة. تسقط أسطورة القرار المستقل. وتظهر الحقيقة العارية: حكومة تعمل لغير شعبها، ودولة تموّل مشروعًا لا يخدم مواطنيها، ونظام سياسي يقدّم أمن دولة أجنبية على كرامة مواطنيه.
وهذا بالضبط ما نعيشه كفلسطينيين منذ عقود. حين اغتالت قوات الاحتلال الصحفية الفلسطينية حاملة الجنسية الأمريكية شيرين أبو عاقلة، لم تتحرك الدولة الأمريكية. لم تُحاسَب إسرائيل. لم يُستدعَ أحد. لم تُفرض عقوبات. لم تُمارس ضغوط. صمتٌ كامل. تواطؤ كامل. حماية كاملة للجاني.
كم فلسطينيًا من أصول أمريكية قُتل في غزة؟ في الضفة؟ على الحواجز؟ في القصف؟ في الاجتياحات؟ ماذا فعلت السفارة؟ ماذا فعلت الإدارة؟ هل تواصلت مع العائلات؟ هل حمت مواطنيها؟ أم مارست الصمت، والمنع، والتكميم، والتجاهل؟
أين التحقيقات؟ أين المحاسبة؟ أين القانون؟ وأين العدالة؟ وكل الأدلة موجودة، وكل الجريمة موثقة، وكل البنية الإجرامية واضحة: تصريحات رسمية، عقيدة عسكرية، سلوك جنود، خطاب كراهية، عنف مستوطنين، حكومة فاشية، مشروع كولونيالي، دولة احتلال.
الحديث عن "أمريكا العظيمة" لم يعد خطابًا سياسيًا، بل نكتة سوداء. دولة تعتقل المدافعين عن المهاجرين، وتقتلهم، وتلاحق الفلسطينيين، وترحّلهم بطائرات خاصة، وتلقي بهم على الحواجز، في انتهاك فجّ لكل قوانينها ومعاييرها، ثم تتحدث عن حقوق الإنسان.
ثم تأتي الفضيحة الأكبر: السفير الأمريكي نفسه يهاجم أمريكا، لأنه يرى الجيش الإسرائيلي أكثر "إنسانية" من الجيش الأمريكي. ثم يقول بوضوح إن الكيان ليس إلا قاعدة أمريكية، وإن أكثر من 720 ألف مواطن أمريكي يعيشون فيه، وهو رقم يوازي عدد الفلسطينيين الذين هُجّروا في النكبة. هذا ليس تصريحًا. هذا اعتراف بنيوي. هذا تعريف وظيفي لدولة بوصفها قاعدة عسكرية متقدمة.
هنا تتكشّف الحقيقة بلا أقنعة: إسرائيل ليست حليفًا، بل أداة. ليست دولة صديقة، بل قاعدة. ليست كيانًا مستقلًا، بل وظيفة استراتيجية. ليست مشروعًا ديمقراطيًا، بل مشروعًا استعماريًا محميًا.
تاكر كارلسون لم يتحول إلى فلسطيني، لكنه كشف، من داخل المنظومة، جزءًا من العطب البنيوي فيها. كشف أن المشكلة ليست فقط في الاحتلال، بل في النظام الذي يحميه. ليست فقط في الجيش، بل في الدولة التي تموّله. ليست فقط في الحكومة الإسرائيلية، بل في البنية الأمريكية التي تشرعنها.
ومن القدس، المدينة التي تُغلق على أهلها وتُفتح على مستوطنيها، المدينة التي يُقمع فيها الصوت وتُصنع فيها الأسطورة، نفهم أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الحقيقة. ليست فقط على الجغرافيا، بل على الوعي. ليست فقط على السيادة، بل على الرواية.
أخطر ما في هذا المشهد ليس ما قاله كارلسون، بل ما كشفه: أن الحقيقة أصبحت خطرًا سياسيًا، وأن من يقترب منها يُستهدف، ويُحاصر، ويُشوَّه، ويُعزل. أن الإمبراطورية لا تخاف السلاح بقدر ما تخاف السؤال. ولا ترتعب من المقاومة بقدر ما ترتعب من الرواية. ولا تخشى الصواريخ بقدر ما تخشى الكلمة.
لهذا تُقمع الرواية الفلسطينية. لهذا يُطارد الصحفي. لهذا تُحاصر الكلمة. لهذا تُغتال الحقيقة قبل أن تُغتال الأجساد.
وفي هذا المعنى العميق، ليست قصة كارلسون قصة صحفي، بل قصة نظام. ليست حادثة أمنية، بل بنية سياسية. ليست أزمة إعلامية، بل انكشاف إمبراطوري.